فهرس الكتاب

الصفحة 4915 من 6724

إليه سريره بأرض الحبشة حتى رآه بالمدينة.وتكلم المنافقون وقالوا: يصلي على علج مات بأرض الحبشة. قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة قالت:"لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال على قبره نور". وحدثني جعفر ابن محمد عن أبيه قال: اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: إنك فارقت ديننا وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفنا وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم، فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا. ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن وخرج إلى الحبشة. وصفوا له فقال: يا معشر الحبشة ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى. قال: وكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة. قال: فما بالكم؟ قالوا: فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد. قال: فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله، فقال النجاشي ووضع يده على صدره على قبائه: هو يشهد أن عيسى ابن مريم، لم يزد على هذا شيئا وإنما يعني ما كتب. فرضوا وانصرفوا. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلما مات النجاشي صلى عليه واستغفر له. قال السهيلي: والنجاشي اسم لكل ملك يلي الحبشة، كما أن كسرى اسم لملك الفرس، وخاقان اسم لملك الترك، وبطليموس اسم لمن ملك اليونان1. واسم هذا النجاشي أصحمة بن الحر وتفسيره عطية.

وفيه من الفقه الخروج من الوطن وإن كان الوطن مكة على فضلها إذا كان الخروج فرارا بالدين. وإن لم يكن إلى أرض الإسلام، فإن الحبشة كانوا نصارى يعبدون المسيح ويقولون هو ابن الله، وسموا بهذه الهجرة مهاجرين. وهو أصحاب الهجرتين الذي أثنى الله عليهم بالسبق فقال: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ} وجاء في التفسير أنهم الذين صلوا إلى القبلتين وهاجروا الهجرتين. فانظر كيف أثنى الله عليهم بهذه الهجرة وهم قد خرجوا من بلد الله الحرام إلى بلاد كفر، لما كان فعلهم احتياطا على دينهم، وأن يخلي بينهم وبين عبادة ربهم يذكرونه آمنين مطمئنين. وهذا حكم مستمر متى غلب المنكر على بلد

ـــــــ

1 أي الذين حكموا منهم في الإسكندرية، ويقال لهم البطالسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت