فرعون كذبوا بجميع آيات موسى وجميع آيات الأنبياء، وكذبوا بجميع الآيات الدالة على وجود الرب وقدرته ومشيئته، إذ كانوا جاحدين للخالق منكرين له فكذبوا بآياته كلها. ثم قال {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ} أي كفاركم أيتها الأمة التي أرسل إليها محمد صلى الله عليه وسلم خير من أولئكم الذين كذبوا نوحا وهودا وصالحا ولوطا وموسى {أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ} وذلك أن كونكم لا تعذبون مثل ما عذبوا إذا كذبتم إما أن يكون لكونكم خيرا منهم لا تستحقون مثل ما استحقوا، أو لكون الله أخبر أنه لا يعذبكم فيكون لكم براءة في الزبر، فتعلمون ذلك بخبره فإن ما يفعله الله تارة يعلم بخبره وتارة لمشيئته وحكمته وعدله، فإما أن تكونوا علمتم هذا من هذا الوجه أو من هذا الوجه، هذا إن نظر إلى فعل الله الذي لا طاقة للبشر به، وإن نظر إلى قوة الرسول وأتباعه فيقولون {نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ} فإنهم أكثر وأقوى، كقوله {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} أي أموالا ومنظرا. فقال تعالى {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} أخبر بهزيمتهم وهو بمكة في قلة من الأتباع وضعف منهم، ولا يظن آخذ بالعادة المعروفة أن أمره يظهر ويعلو قبل أن يقاتلهم، وكان كما أخبر فإنهم يوم بدر وغيره هزم جمعهم وولوا الدبر، وتلك سنة الله في الأولين والآخرين. وقال تعالى {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا سُنَّةَ اللَّهِ} الآية. وحيث ظهر الكفار فإنما ذلك لذنوب المسلمين التي أوجبت نقص إيمانهم، ثم إذا تابوا فكمل إيمانهم نصرهم. كما قال تعالى {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} وقال تعالى {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} فإذا كان من تمام الحكمة والرحمة ألا يهلكهم هلاك الاستئصال كما أهلكت الأمم قبلهم كما قال {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ} كان أن لا يأتي بموجب عذاب الاستئصال مع إتيانه سبحانه بما يقيم الحجة ويوضح المحجة أكمل في الحكمة والرحمة، إذ كان ما أتى به من الآيات حصل به كمال الخير والمنفعة والهدى وبيان الحجة على من كفر، وما امتنع به دفع به من عذاب الاستئصال والهلاك