فهرس الكتاب

الصفحة 5277 من 6724

فيها من الفوائد والحكم ما ذكره ابن القيم وغيره، أن الله سبحانه قد وعد رسوله وهو الصادق الوعد أنه إذا دخل مكة دخل الناس في دينه أفواجا ودانت له العرب بأسرها، فلما أتم الفتح المبين واقتضت حكمة الله أن أمسك قلوب هوازن عن الإسلام، وأن يجمعوا ويتألبوا لحرب رسول الله والمسلمين، ليظهر أمر الله وتمام إعزازه لرسوله ونصره لدينه ولتكون غنائمهم شكران أهل الفتح، وليظهر الله رسوله وعباده وقهره لهذه الشوكة العظيمة التي لم يلق المسلمون مثلها فلا يقاومهم بعد أحد من العرب، وغير ذلك من الحكم الباهرة التي تلوح للمتأملين وتبدو للمتوسمين.

واقتضت حكمته سبحانه أن أذاق المسلمين أولا مرارة الهزيمة والكسرة مع كثرة عددهم وعدتهم وقوة شوكتهم ليطامن رؤوسا رفعت بالفتح، ولم تدخل بلده وحرمه كما دخله رسوله واضعا رأسه منحنيا على فرسه حتى إن ذقنه يكاد أن يمس سرجه تواضعا لربه وخضوعا لعظمته واستكانة لعزته أن أحل له حرمه وبلده ولم يحله لأحد قبله ولا لأحد بعده.

وليبين الله سبحانه لمن قال لن نغلب اليوم من قلة أن النصر إنما هو من عنده وأنه من ينصره فلا غالب له، ومن يخذله فلا ناصر له. وأنه هو الذي تولى نصر رسوله ودينه لا كثرتكم التي أعجبتكم فإنها لن تغني عنكم شيئا فوليتم مدبرين، فلما انكسرت قلوبهم أرسل إليها خلع الجبر مع بريد: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} ، وقد اقتضت حكمته أن خلع النصر وجوائزه إنما تخلع على أهل الانكسار {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} الآيتين.

ومنها أن الله سبحانه منع الجيش غنائم مكة فلم يغنموا منها ذهبا ولا متاعا ولا سبيا ولا أرضا، كما روى أبو داود عن وهب بن منبه قال: سألت جابرا هل غنموا يوم الفتح شيئا؟ قال: لا. وكانوا قد فتحوها بإيجاف الخيل والركاب وهم عشرة آلاف وفيهم حاجة إلى ما يحتاج إليه الجيش من أسباب القوة، فحرك سبحانه قلوب المشركين لغزوهم وقذف في قلوبهم إخراج أموالهم ونعمهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت