وطارت الأخبار بقتل الشهيد عثمان، فحرزن عليه المسلمون، ولاسيما أهل دمشق، وأتى البريد بثوبه بالدم فنصب على منبر دمشق، ونعاه معاوية إلى أهلها فبكوا، وتعاقدوا على الطلب بدمه وكانوا شتين ألفا. وآلى رجال منهم لا يأتون النساء ولا يغتسلون من جنابة إلا من احتلام حتى يقتلوا قتلته ومن عرض دونهم. وتخلف عن بيعة علي معاوية في أهل الشام وأظهروا له الخلاف ونسبوه إلى الإعانة على قتل عثمان والرضى بها، وقد برأه الله من ذلك. واجتمع ناس إلى علي فقالوا: إن هؤلاء القوم قد اشتركوا في قتل هذا الرجل وأحلوا بأنفسهم، فقال لهم: يا إخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم، ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وهم خلالكم يسومونكم ما شاءوا فهل ترون موضعا للقدرة على شيء مما تريدون؟ قالوا: لا والله. وقال طلحة لعلي"دعني آتي البصرة ولا يفجأك إلا وأنا في خيل، وقال الزبير: دعني آتي الكوفة ولا يفجأك إلا وأنا في خيل. فقال: حتى أنظر في ذلك. ودخل عليه المغيرة بن شعبة فقال له: إن لك حق الطاعة والنصيحة."
أقرر معاوية على عمله وابن عامر والعمال على أعمالهم حتى إذا أتتك طاعتهم وبيعة الجنود استبدلت أو تركت. قال: حتى أنظر. وخرج من عنده ثم أتاه من الغد فقال: إني أشرت عليك أمس، وإن الرأي أن تعاجلهم فتعرف السامع من غيره. فتلقاه ابن عباس وقد أتى من الحج وهو خارج من عند علي، فدخل على علي، فلما انتهى إليه قال: رأيت المغيرة خرج من عندك. قال: جاءني أمس بكذا واليوم بكذا. فقال: أما أمس فقد نصحك، وأما اليوم فقد غشك. قال: فما الرأي؟ قال: كان الرأي قبل اليوم أن تخرج حين قتل الرجل أو قبله فتأتي مكة فتدخل دارك وتغلق بابك، فكانت العرب محايلة ومضطربة في أثرك لا تجد غيرك، فأما اليوم فإن بني أمية يستحثون الطلب وأن يلزموك شقة من هذا الأمر.
وفي رواية وإني أخشى أن ينتقض عليك الشام، مع أني لا آمن طلحة ولا الزبير أن يخرجا عليك. وإني أشير عليك أن تقر معاوية، فإن بايع لك فعلى أن أقتلعه من منزله متى شئت، فقال علي: والله لا أعطيه إلا السيف. ثم تمثل: