فهرس الكتاب

الصفحة 543 من 6724

ص -125- في هذا الحديث الشّريف أصول الشّر وفروعه، ومبادؤه وغاياته، وموارده ومصادره، وهو مشتمل على ثمان خصالٍ، كلّ خصلتين قرينتان، فقال:"أعوذ بك من الهمّ والحزن"، وهما قرينان، فإنّ المكروه الوارد على القلب إمّا أن يكون سببه أمرًا ماضيًا، فهو يحدث الحزن، وإمّا توقع مستقبل، فهو يورث الهمّ، وكلاهما من العجز، فإنّ ما مضى لا يدفع بالحزن، بل بالرّضى والحمد، والصّبر والإيمان بالقدر. وقول العبد:"قدر الله وما شاء فعل".

وما يستقبل لا يدفع بالهمّ، بل إمّا أن يكون له حيلة في دفعه، فلا يعجز عنه، وإمّا أن لا يكون له حيلة، فلا يجزع عنه، ويلبس له لباسه من التّوحيد والتّوكّل والرّضى بالله ربًّا فيما يحبّ ويكره، والهمّ والحزن يضعفان العزم، ويوهنان القلب، ويحولان بين العبد وبين الاجتهاد فيما ينفعه، فهما حملٌ ثقيلٌ على ظهر السّائر.

ومن حكمة العزيز الحكيم تسليط هذين الجندين على القلوب المعرضة عنه ليردّها عن كثيرٍ من معاصيها، ولا تزال هذه القلوب في هذا السّجن حتى تخلص إلى فضاء التّوحيد والإقبال على الله ولا سبيل إلى خلاص القلب من ذلك إلاّ بذلك، ولا بلاغ إلاّ بالله وحده، فإنّه لا يوصل إليه إلاّ هو ولا يدلّ عليه إلاّ هو. وإذا قام العبد في أيّ مقامٍ كان، فبحمده وحكمته أقامه فيه، ولم يمنع العبد حقًّا هو له، بل منعه ليتوسل إليه بمحابه فيعطيه، وليرده إليه وليعزه بالتّذلّل له، وليغنيه بالافتقار إليه، وليجيره بالانكسار بين يديه وليولّيه بعزله أشرف الولايات، وليشهده حكمته في قدرته، ورحمته في عزّته، وإنّ منعه عطاءٌ، وعقوبته تأديبٌ، وتسليط أدائه عليه سائق يسوقه إليه. والله أعلم حيث يجعل مواقع عطائه، وأعلم حيث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت