فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 6724

ص -165- أوعذبوه، وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب، تارة منهم، وتارة من غيرهم، كمن عنده دِينٌ وتُقَىً حلّ بين قوم ظلمة لا يتمكنون من ظلمهم إلاّ موافقته لهم، أو سكوته عنهم، فإن فعل سلم من شرّهم في الابتداء، ثم يتسلّطون عليه بالإهانة والأذى أضعاف ما كان يخافه ابتداءً لو أنكر عليهم، وإن سلم منهم، فلا بدّ أن يهان على يد غيرهم.

فالحزم كلّ الحزم الأخذ بما قالته عائشة ـ رضي الله عنها ـ لمعاوية:"مَن أرضى الله بسخط النّاس كفاه الله مؤنة النّاس، ومَن أرضى النّاس بسخط الله، لم يغنوا عنه من الله شيئًا".

ومَن تأمّل أحوال العالم، رأى هذا كثيرًا، فيمَن يعين الرّؤساء وأهل البدع هربًا من عقوبتهم، فمَن وقاه الله شرّ نفسه، امتنع من الموافقة على المحرم، وصبر على عداوتهم، ثم تكون له العاقبة في الدّنيا والآخرة، كما كانت لِمَن ابتلي من العلماء وغيرهم.

ولَما كان الألم لا مخلص منه البتّة، عزّى الله ـ سبحانه ـ مَن اختار الألم المنقطع بقوله: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ، [العنكبوت: 5] .

فضرب لهذا الألم المنقطع أجلًا وهو يوم لقائه، فيلتذّ العبد أعظم لذّةٍ بما تحمل من الألم لأجله، وأكّد هذا العزاء برجاء اللّقاء، ليحمل العبد اشتياقه إلى ربّه على تحمل الألم العاجل، بل ربّما غيّبه الشّوق عن شهود الألم والإحساس به، ولهذا سأل ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ربّه الشّوق إلى لقائه، وشوقه من أعظم النّعم، ولكن لهذه النّعمة أقوال وأعمال هما السّبب الذي تنال به، والله ـ سبحانه ـ سميع لتلك الأقوال عليم بتلك الأعمال، عليم بِمَن يصلح لهذه النّعمة، كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت