فهرس الكتاب

الصفحة 609 من 6724

ص -188- فصل

وبلغ الأنصار مخرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من مكّة، فكانوا يخرجون كلّ يومٍ إلى الحرة، فإذا اشتدّ حرّ الشمس رجعوا إلى منازلهم.

فلمّا كان يوم الاثنين الثّاني عشر من ربيع الأوّل على رأس ثلاثة عشر من نبوّته خرجوا على عادتهم، فلمّا حميت الشّمس رجعوا، وصعد رجل من اليهود على أُطُمٍ من آطام المدينة لبعض شأنه، فرأى رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وأصحابه مبيضين يزول بهم السّراب، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قَيْلة هذا صاحبكم قد جاء، هذا جدّكم الذي تنتظرون. فثار الأنصار إلى السّلاح ليتلقوه، وسمعت الوجبة والتّكبير في بني عمرو بن عوف، وكبّر المسلمون فرحًا بقدومه، وخرجوا للقائه، وتلقوه وحيّوه بتحيّة النّبوّة وأحدقوا به مطيفين حوله، والسّكينة تغشاه، والوحي ينْزل عليه، والله: {هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} ، [التحريم من الآية: 4] .

فسار حتى نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، فنَزل على كلثوم بن الهدم، وقيل: على سعد بن خيثمة. فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، وأسّس مسجد قباء، وهو أوّل مسجدٍ أُسِّس بعد النّبوّة، فلمّا كان يوم الجمعة ركب بأمر الله، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي، ثم ركب فأخذوا بخطام راحلته: هلم إلى العدد والعدّة والسّلاح والمنعة. فقال:"خلوا سبيلها فإنّها مأمورة". فلم تزل سائرة به لا يمرّ بدارٍ من دور الأنصار إلاّ رغبوا إليه في النّزول عليهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت