ص -229- فصل
فلمّا كان في رمضان من هذه السّنة بلغه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ خبر العير المقبلة من الشّام، فندب للخروج إليها ولم يحتفل لها؛ لأنّه خرج مسرعًا في ثلاثمئة وبضعة عشر رجلًا معهم فرسان على سبعين بعير، يعتقبونها، وبلغ الصّريخ مكّة، فخرجوا كما قال تعالى: {بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} ، [الأنفال من الآية: 47] ، فجمعهم الله على غير ميعادٍ، كما قال تعالى: {وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ} ، [الأنفال من الآية: 42] ، فلما بلغ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ خروجهم استشار أصحابه.
فتكلّم المهاجرون، فأحسنوا، ثم استشارهم ثانيًا، فتكلّم المهاجرون، ثم استشارهم ثالثًا، ففهمت الأنصار أنّه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ، فتكلّم بكلامه المشهور، وقال المقداد كلامه المشهور، فسُرَّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بما سمع من أصحابه وقال:"سيروا، وأبشروا، فإنّ الله وعدني إحدى الطّائفتين، وإنّي قد رأيت مصارع القوم".
فسار إلى بدرٍ، فلما طلع المشركون وتراءى الجمعان، قام ورفع يديه، واستنصر ربّه، واستنصر المسلمون الله، واستغاثوه، فأوحى الله إليه: {أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ} ، [الأنفال من الآية: 9] ، قرئ بكسر الدّال وفتحها، فقيل: المعنى أنّهم ردف لكم، وقيل: يردف بعضهم بعضًا لم يأتوا دفعةً واحدةً.
فإن قيل: هنا ذكر ألفًا، وفي (آل عمران) ثلاثة آلاف وخمسة؟
قيل: فيه قولان: