ص -224- وقد بلغ رسولَ الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ هربي إلى الشّام. فمرَّ بها. فقالت: يا رسول الله، غاب الوافد، وانقطع الوالد، وأنا عجوز كبيرة. ما بي من خدمة، فَمُنَّ عليَّ. مَنَّ الله عليك. فقال: (( مَن وافدك؟ ) ). قالت: عدي بن حاتم، قال: (( الذي فرَّ من الله ورسوله؟ ) )ـ وكررت عليه القول ثلاثة أيام ـ قالت: فَمَنَّ علَيَّ، وسألته الْحُمْلان، فأمر لها به وكساها وحملها وأعطاها نفقة.
فأتتني. فقالت: لقد فعل فِعْلة ما كان أبوك يفعلها. ائتِه راغبًا أو راهبًا؛ فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه. قال: فأتيته، وهو جالس في المسجد. فقال القوم: هذا عدي بن حاتم ـ وجئت بغير أمان ولا كتاب ـ فأخذ بيدي ـ وكان قبل ذلك قال: (( إنّي لأرجو أن يجعل الله يده في يدي ) ). فقام إليَّ فلقيته امرأته ومعها صبي. فقالا: إنّ لنا إليك حاجة. فقام معهما حتى قضى حاجتهما، ثم أخذ بيدي حتى أتى داره. فألقت له الوليدة وسادة. فجلس عليها، وجلست بين يديه. فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: (( ما يُفَرُّك؟ أيُفِرك1 أن يقال: (( لا إله إلاّ الله؟ ) )فهل تعلم من إله سوى الله؟ )) . فقلت: لا. فتكلّم ساعة. ثم قال: (( أيُفرّك أن يقال: الله أكبر؟ وهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ ) )قلت: لا. قال: (( فإنّ اليهود مغضوب عليهم، والنّصارى ضالون ) ). فقلت: فإنّي حنيف مسلم. فرأيت وجهه ينبسط فرحًا.
ثم أمر بي فأنْزلت عند رجلٍ من الأنصار، وجعلت يته طرَفي النّهار، فبينا أنا عنده، إذ جاءه قومٌ في ثيابٍ من صوفٍ من هذه النّمار، فصلّى ثم قام،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أي: ما يحملك على الفرار والهرب من التّوحيد!