فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 522

وقال ابن حبان:"والدعاة يجب مجانبة رواياتهم على الأحوال ، فمن انتحل نحلة بدعة ولم يدع إليها ، وكان متقنًا ، كان جائز الشهادة ، محتجًا بروايته" [1] .

وقال أيضًا:"الاحتياط تركُ رواية الأئمة الداعين منهم ، والاحتجاجُ بالرواة الثقات منهم" [2] .

ويبين الحافظ الخطيب السبب في هذا المذهب ، فيقول:"إِنَّمَا مَنَعُوا أَنْ يُكْتَبَ عَنِ الدُّعَاةِ , خَوْفًا أَنْ تَحْمِلَهُمُ الدَّعْوَةُ إِلَى الْبِدْعَةِ وَالتَّرْغِيبُ فِيهَا عَلَى وَضْعِ مَا يُحَسِّنُهَا , كَمَا حَكَيْنَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا عَنِ الْخَارِجِيِّ التَّائِبِ قَوْلَهُ: كُنَّا إِذَا هَوِينَا أَمْرًا صَيَّرْنَاهُ حَدِيثًا" [3] .

قلت: وهذا تعليل معتبر في حلِّ راو لم يعرف بالصدق ، أما من ثبت صدقه وعرفت أمانته ، وكان يذهب إلى شيء من تلك المذاهب بتأويل ، وكان ينتصر إلى مذهبه ذلك ، فهذا مراد كذلك في قول هؤلاء الأئمة ، لكن لا يتنزلُ عليه تعليل الخطيب .

والذي يتحررُ من إمعان النظر في هذا المذهب أنه مذهب نظري اليوم في شأن رواة الحديث ، وذلك أن أمر الدعوة إلى البدعة مما لا يمكن حصره وضبطه ، والكلام في رواة الحديث فد فرغ منه ، وصارت العمدة في معرفة أحوال الرواة على ما بلغنا من أخبارهم ، والمتأملُ يجد في تلك الأخبار وصف عدد غير قليل من الرواة بالبدعة ، لكن يندر فيهم من يمكن القول: إنه كان داعية ، نعم ؛ وصف طائفة بالغلوِّ ، إلا أنه لا يعني بالضرورة كون الموصوف بذلك داعية إليها.

المذهب الرابع: عدم اعتبار البدعة جرحًا مسقطًا لحديث الراوي ، لما تقوم عليه من التأويل ، وإنما العبرة بالحفظ والإتقان والصدق ، والسلامة من الفسق والكذب .

وعلى هذا في التحقيق يتنزلُ مذهب من ذهب من كبار الأئمة إلى أن البدعة لا تمنع قبول حديثهم ، إلا من كان يستحلُّ الكذب .

وهذا هو منقول من مذهب أبي حنيفة وصاحبه أبي يوسف وسفيان الثوري ، وسفيان بن عيينة ، والشافعي [4] .

قال سفيان بن عيينة:"حدثنا عبد الملك بن أعين ، وكان شيعيًا ، وكان عندنا رافضيًا صاحب رأي" [5] .

وقال ابن دقيق العيد:"والذي تقرر عندنا: أنه لا تعتبر المذاهب في الرواية ، إذ لا نكفِّرُ أحدًا من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة ، فإذا اعتقدنا ذلك ، وانضمَّ إليه التقوى والورع والضبط والخوف من الله تعالى ، فقد حصل معتمد الرواية" [6] .

وهو قول يحيى بن سعيد القطان ، وعلي بن المديني ، ومحمد بن عمار الموصلي ، وإليه مال الخطيب البغدادي [7] .

قَالَ ابْنُ المَدِيْنِيِّ: قُلْتُ لِيَحْيَى بنِ سَعِيْدٍ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَقُوْلُ: اترُكْ مَنْ كَانَ رَأْسًا فِي بِدعَةٍ يَدْعُو إِلَيْهَا،قَالَ: فَكَيْفَ يُصْنَعُ بِقَتَادَةَ، وَابْنِ أَبِي رَوَّادٍ، وَعُمَرَ بنِ ذَرٍّ...، وَذَكَرَ قَوْمًا،ثُمَّ قَالَ يَحْيَى: إِنْ تَرَكَ هَذَا الضَّربَ، تَرَكَ نَاسًا كَثِيْرًا." [8] . قلت: يردُّ يحيى مذهب ابن مهدي ، بل مقتضى قوله أن يكون من سماهم ممن يندرج تحت رأي ابن مهدي ، وهو يحلُّ الاستشكال الذي نراه: ما هو حدُّ الداعية من غيره ؟ فهذا يحيى القطان يرى قتادة ومن ذكره معه من الدعاة ، وإلا لما صح له الاستدراك على ابن مهدي بذكرهم ، وهم من ثقات الناس ومتقنيهم وعليهم مدارُ كثير من الحديث ."

يقابله ما نقله محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، قال: قلت لعلي بن عبد الله المديني: يا أبا الحسن ، إن يحيى بن معين ذكر لنا: أن مشايخ من البصريين كانوا يمرمون بالقدر، إلا أنهم لا يدعون إليه ، ولا يأتون في حديثهم بشيء منكر ، منهم: قتادة ، وهشام صاحب الدستوائي ، وسعيد بن أبي عروبة ، وأبو هلال ، وعبد الوارث ، وسلام [9] ، كانوا ثقات ، يكتب حديثهم ، فماتوا وهم يرون القدر ، ولم يرجعوا عنه ، فقال لي علي ، رحمه الله:"أبو زكريا كذا كان يقول عندنا ، إلا أن أصحابنا ذكروا أن هشام الدستوائي رجع قبل موته ، ولم يصح ذلك عندنا" [10] .

قلت: ففي هذا نفي أن يكون قتادة داعية إلى بدعته ، لكن فيه تثبيت أن جميع هؤلاء كانوا يذكرون بالبدعة ، ويحيى اعتبر في ثقتهم أمرين: عدم الدعوة إلى البدعة ، مع الحفظ والإتقان .

وهذا عبد الرحمن بن مهدي قد ترك بعض الرواة لأجل البدعة ، ثم حدَّث عنهم قبل موته ،فقد قال ابن أخته الحافظ أبو بكر بن أبي الأسود: كان خالي عبد الرحمن بن مهدي يترك الحديث عن الحسن بن أبي جعفر الجفري وعثمان بن صهيب وغيرهما من أهل القدر ؛ للمذهب ، والضعف ، فلما كان بأخرة حدَّث عنهم ، وخرَّجهم في تصانيفه ، فقلت: يا خال ، أليس قد كنت أمسكت عن الرواية عن هؤلاء ؟ فقال:"نعم ، لكن خفت أن يخاصموني بين يدي ربي فيقولون: يا رب ، سل عبد الرحمن: لم أسقط عدالتنا ؟" [11] .

وقال الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ: وَسَأَلْتُهُ , يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيَّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ غُرَابٍ , فَقَالَ:"كَانَ صَاحِبَ حَدِيثٍ , بَصِيرًا بِهِ , قُلْتُ: أَلَيْسَ هُوَ ضَعِيفٌ ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ يَتَشَيَّعُ , وَلَسْتُ أَنَا بِتَارِكِ الرِّوَايَةِ عَنْ رَجُلٍ صَاحِبِ حَدِيثٍ يُبْصِرُ الْحَدِيثَ , بَعْدَ أَلَّا يَكُونَ كَذُوبًا , لِلتَّشَيُّعِ أَوِ الْقَدَرِ , وَلَسْتُ بِرَاو عَنْ رَجُلٍ لَا يُبْصِرُ الْحَدِيثَ وَلَا يَعْقِلُهُ , وَلَوْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ فَتْحٍ يَعْنِي الْمَوْصِلِيَّ" [12] .

وسئل الحافظ أبو عبد الله محمد بن يعقوب الأخرم"عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيِّ , فَقَالَ: صَدُوقٌ فِي الرِّوَايَةِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْغَالْينَ فِي التَّشَيُّعِ , قِيلَ لَهُ: فَقَدْ حَدَّثْتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ , فَقَالَ: لِأَنَّ كِتَابَ أُسْتَاذِي مَلْآنٌ مِنْ حَدِيثِ الشِّيعَةِ يَعْنِي مُسْلِمَ بْنَ الْحَجَّاجِ" [13] .

وفي"صحيح البخاري"عن جمع كبير من المنسوبين إلى البدع ،فهؤلاء الأعيان قدوة الناس في هذا الفن ، وممن إليهم المرجع فيه .

وقال ابن حزم:"من أقدم على ما يعتقده حلالًا ، فما لم يقم عليه في تحريمه حجة ، فهو معذور مأجور وإن كان مخطئًا ، وأهل الأهواء معتزليهم ومرجئيهم وزيديهم وإباضيهم بهذه الصفة ، إلا من أخرجه هواه عن الإسلام إلى كفر متفق على أنه كفر ، أو من قامت عليه حجَّةٌ من نصٍّ أو إجماعٍ فتمادى ولم يرجع فهو فاسق" [14] .

قلتُ: ومن أمثلة ما يتنزل عليه هذا المذهب وهم ثقات محتج بهم:

1 -عبد الله بن أبي نجيح ،قال علي بن المديني:"أمَّا الحديث فهو فيه ثقة ، وأما الرأي فكان قدريًا معتزليًا" [15] ،وقال يحيى بن معين:"كان ابن أبي نجيح من رؤساء الدعاة" [16] .

2 -خالد بن مخلد ،قال الجوزجاني:"كان شتامًا معلنًا بسوء مذهبه" [17] .

3 -سالم بن عجلان الأفطس ،قال الجوزجاني:"كان يخاصم في الإرجاء ، داعية ، وهو متماسك" [18] .

4 -عبد الرحمن بن صالح الأزدي ،قال يعقوب بن يوسف المطوعي ( وكان ثقة) : كان عبد الرحمن بن صالح الأزدي رافضيًا ، وكان يغشى أحمد بن حنبل ، فيقرِّبه ويدنيه ، فقيل له: يا أبا عبد الله ،عبد الرحمن رافضي، فقال:"سبحان الله ! رجلٌ أحبَّ قوما من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - نقول له:لا تحبهم ؟ ! هو ثقة" [19] ، وكان يحيى بن معين يعلم تشيعه ، بل نعته بذلك ، ومع فقد كتب حديثه وروى عنه ، ووثقه ، وكذلك وثقه غيره" [20] ،مع أن أبا داود السجستاني قال:"لم أر أن أكتب عنه ، وضع كتابًا مثالب في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" [21] ."

5 -عمران بن حطان ،قال أبو داود السجستاني:"ليس في أهل الأهواء أصحُّ حديثًا من الخوارج"ثم ذكر عمران بن حطان ، وأبا حسان الأعرج [22] .

6 -عباد بن يعقوب الرواجني ،وشأنه في الغلو في الرفض والدعوة إليه مشهور ، ومن أبينه ما حكاه الثقة المتقن القاسم بن زكريا المطرز ، قال:"وَرَدَتُ الْكُوفَةَ , فَكَتَبْتُ عَنْ شُيُوخِهَا كُلِّهِمْ غَيْرَ عَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ , فَلَمَّا فَرَغْتُ مِمَّنْ سِوَاهُ دَخَلْتُ عَلَيْهِ , وَكَانَ يَمْتَحِنُ مَنْ يَسْمَعُ مِنْهُ , فَقَالَ لِي: مَنْ حَفَرَ الْبَحْرَ ؟ فَقُلْتُ: اللَّهُ خَلَقَ الْبَحْرَ , فَقَالَ: هُوَ كَذَلِكَ , وَلَكِنْ مَنْ حَفَرَهُ ؟ فَقُلْتُ: يَذْكُرُ الشَّيْخُ , فَقَالَ: حَفَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , ثُمَّ قَالَ: مَنْ أَجْرَاهُ ؟ فَقُلْتُ: اللَّهُ مُجْرِي الْأَنْهَارِ , وَمُنْبِعُ الْعُيُونِ , فَقَالَ: هُوَ كَذَلِكَ , وَلَكِنْ مَنْ أَجْرَى الْبَحْرَ ؟ فَقُلْتُ: يُفِيدُنِي الشَّيْخُ , فَقَالَ: أَجْرَاهُ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ , قَالَ: وَكَانَ عَبَّادٌ مَكْفُوفًا , وَرَأَيْتُ فِيَ دَارِهِ سَيْفًا مُعَلَّقًا وَحَجَفَةً , فَقُلْتُ: أَيُّهَا الشَّيْخُ , لِمَنْ هَذَا السَّيْفُ ؟ فَقَالَ: هَذَا لِي , أَعْدَدْتُهُ لِأُقَاتِلَ بِهِ مَعَ الْمَهْدِيِّ , قَالَ: فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ سَمَاعِ مَا أَرَدْتُ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْهُ , وَعَزَمْتُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْبَلَدِ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَسَأَلَنِي كَمَا كَانَ يَسْأَلُنِي , وَقَالَ: مَنْ حَفَرَ الْبَحْرَ ؟ فَقُلْتُ: حَفَرَهُ مُعَاوِيَةُ , وَأَجْرَاهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ , ثُمَّ وَثَبْتُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ , وَجَعَلْتُ أَعْدُو , وَجَعَلَ يَصِيحُ: أَدْرِكُوا الْفَاسِقَ عَدُوَّ اللَّهِ فَاقْتُلُوهُ أَوْ كَمَا قَالَ" [23] .

وجاء أنه كان يشتم عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، وقال ابن حبان:"كان رافضيًا داعية إلى الرفض" [24] .

قلت: ومع ذلك فخرج حديثه البخاري في الصحيح ، وحكم بثقته غير واحد .

7 -الحسين بن الحسن الأشقر ، قال إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجُنَيْدِ الْخُتُلِّيُّ ,: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ , ذَكَرَ حُسَيْنًا الْأَشْقَرَ فَقَالَ:"كَانَ مِنَ الشِّيعَةِ الْمُغَالِيَةِ الْكِبَارِ , قُلْتُ: وَكَيْفَ حَدِيثُهُ ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ , قُلْتُ: صَدُوقٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ , كَتَبْتُ عَنْهُ عَنْ أَبِي كُدَيْنَةَ وَيَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ". [25]

قلت: فهذه المناهج لهؤلاء الأعلام من أئمة الحديث صريحة في عدم الاعتداد بالبدعة قادحًا في العدالة ، ومن أجل هذا جرت ألفاظهم بالتعديل لهؤلاء الرواة مع ما عرفوا به من البدعة .

والتأويل بالبدع أوسع منه في المعاصي ؛ لأن وجه المخالفة بها للشرع خفيٌّ ، فإذا كنا عذرنا بالمخالفة تأويلًا في المنهيات الصريحة في الشرع كقتل المسلم ، كالذي حصل بين الصحابة ، فالعذر فيما كان وجه المخالفة فيه خفيًّا أولى ، وإنما تكون العبرة بالصدق والإتقان ، فإذا ثبت فحديثه مقبولٌ .

قال ابن جرير الطبري:"لو كان كل من ادُّعيَ عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعي به ، وسقطت عدالته وبطلت شهادته بذلك ؛ للزم ترك أكثر محدثي الأمصار ؛ لأنه ما منهم إلا وقد نسبهُ قوم إلى ما يرغب به عنه" [26] .

قلت: وإنما يخرَّجُ من هذا التأصيل: من كان من الرواة طعنٌ عليه لبدعته وحديثه جميعًا ، فهذا مجروح من أجل حديثه ، وذلك مثل: جابر الجعفي ، وعمرو بن عبيد البصري .

قال سُفْيَانُ: كَانَ النَّاسُ يَحْمِلُونَ عَنْ جَابِرٍ قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ مَا أَظْهَرَ فَلَمَّا أَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ اتَّهَمَهُ النَّاسُ فِى حَدِيثِهِ وَتَرَكَهُ بَعْضُ النَّاسِ ،فَقِيلَ لَهُ:وَمَا أَظْهَرَ؟ قَالَ: الإِيمَانَ بِالرَّجْعَةِ.. [27]

قلت: فكأنَّ سفيان جعل اتهامه في حديثه من أجل بدعته ، والواقع أنه لا تلازم بينهما ، لجواز أن يكون صاحب بدعة صدوقًا ، كما تقدمت له أمثلة ، وإنما المعنى أنه بعدما ظهرت منه هذه العقيدة ظهر منه في روايته ما اتهم فيه .

وكذلك القول في عمرو بن عبيد ، مع ظهور الفسق وضعف التأويل في بعض ما جاء عنه ، فقد تكلَّم بما لا يحتمل [28] .

ولا ريب أن كثيرًا من أهل البدع نصروا مذاهبهم برواية المنكرات إسنادًا ومتنًا ، وجماعاتٌ منهم عُرِفوا بوضع الحديث لأجل ذلك ،وهو المعنى الذي خافه من شدد فردَّ أحاديث أهل البدع .

لكنْ مادامت الخشيةُ محصورةً في كون صاحب البدعة قد تدفعه بدعته إلى المجيء بالمنكرات من الروايات نصرة لتلك البدعة ، فالأمر إذًا عائد إلى القول في روايته ، فإذا تحرر لنا صدقه ، وسلامة روايته من النكارة ، فقد ذهب المحذور .

فمن قال من المتأخرين: إذا روى صاحب البدعة ما تعتضد به بدعته رُدَّ ، وإن روى غير ذلك قُبِل .

فهذا مذهب -وإن تداولته كتب علوم الحديث- فليس صوابًا ؛ لأن قبول روايته حيث قبلناها ، فإنما حصل لأجل كونه بريئًا من الكذب معروفًا بالصدق والأمانة ، فإذا صرنا إلى ردِّ حديثه عند روايته ما تعتضد به بدعته فقد اتهمناه ، وهذا تناقض ، مع ملاحظة أن من ذهب مذهبًا كان أحرص من غيره على حفظ ما يقوي مذهبه ، فينبغي أن يقال: حفظ وأتقن ؛ لأن داعية الإتقان متوفرة فيه ، فيكون هذا مرجِّحًا لقبول تلك الرواية ما دام موصوفًا بالصدق .

وعلى مظنة أن تدعو البدعة إلى الكذب في الرواية من معروف بالصدق ، فهذا لا ينحصر في البدعة ، فإن الهوى يكون في غيرها أيضًا .

وأمَّا إطلاق القول بتكذيب طائفة من أهل البدع على التعيين ، كقول يزيد بن هارون:"لا يكتب عن الرافضة ؛ فإنهم يكذبون" [29] ، فهذا مما يجري على غالب من أدرك يزيد ورأى من هؤلاء ، وأن يكون أراد غلاتهم ، غير أن واقع الأمر أن طائفة من الرواة وصفوا من قبل بعض النقاد بالرفض ، كانوا من أهل الصِّدق ، روى الأئمة عنهم الحديث وأثنوا عليهم ، كما مثلت هنا بجماعة منهم .

وخلاصة الفصل في هذا:

أن ما قيل من مجانبة حديث المبتدع ، ففيه اعتبار الزمان الذي كانت الرواية فيه قائمة ، ومرجع الناس إلى نقلة الأخبار في الأمصار ، وما كان قد حصر يومئذ بيان أحوال الرواة ، أما بعد أن أقام الله بأهل هذا الشأن القسطاس المستقيم (علم الجرح والتعديل) فميَّزوا أهل الصدق من غيرهم ، وفضح الله بهذا العلم خلائق من أهل الأهواء والبدع وافتضحوا بالكذب في الحديث ، فأسقطهم الله ، كما أصاب الهوى بعض متعصبة السنَّة ، فوقعوا في الكذب في الحديث كذلك ، وهو وإن كانوا أقل عددًا من أصحاب البدع ، إلا أنهم شاركوهم في داعية الهوى والعصبية ، ومقابل هؤلاء وأولئك من ثبت له وصف الصِّدق من الفريقين ، فأثبت أئمة الشأن له ذلك ، فلا يكون في التحقيق وصفُ من وصفوه بالصِّدق إلا من أجل ما روى .اهـ [30]

قلتُ: وعلى هذا، فالعبرةُ عند المتقدمين في باب الرواية عن أهل البدع هو اعتبارُ أحوالهم في قوة الدِّين وظهور الصِّدق، ولذلك لم يترددوا في قبول رواية الدعاة من الخوارج، وهذا البخاريُّ قد أخرج لعمران بن حطان ثلاثة أحاديث في صحيحه، بعضها في الأصول، رغم أنّه كان داعية إلى بدعته، بل كان رأسًا من رؤوس الخوارج.

قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله:"العبرةُ في الرواية بصدق الراوي وأمانته والثقة بدينه وخلقه، كما أنّ المتتبع لأحوال الرواة يرى كثيرا من أهل البدع موضعا للثقة والاطمئنان، وإن رووا ما يوافق رأيهم، ويرى كثيرا منهم لا يُوثَق بأيّ شيء يرويه" [31] .

وحتى هذا الصدق وهذه الأمانة لا يكونان مبرِّرًا لقبول روايته مطلقا، وإنّما يضافُ إلى ذلك عند بعضهم إذا كان ما عنده من الحديث ممّا تشتدّ الحاجة إلى أخذه ومعرفته. ولذلك نقل الذهبي عن بعض العلماء أنّ المبتدع الداعية إذا كان صادقا، وعنده سنّةٌ تفرّد بها، فإنّه لا يسوغ ترك تلك السنّة [32] .

فأنت ترى في النهاية أنّ الاعتبار يعود إلى ملاحظة جملة القرائن والأحوال في الراوي والرواية، ومن هنا فإنّنا قد لا نعدّ ما ورد عن المتقدّمين من الأقوال المتباينة اختلافا في القواعد، وإنّما هو في غالبه اختلاف في التطبيق بحسب ما يترجّح من خلال القرائن والملاحظات، ومبلغ علم كلّ واحد منهم بأحوال الرواية والرواة.

قال الشيخ محمد بن محمد أبو شهبة رحمه الله:"إذا وجدنا بعض الأئمّة الكبار من أمثال البخاري ومسلم لم يتقيّد فيمن أخرج لهم في كتابه ببعض القواعد، فذلك لاعتبارات ظهرت لهم رجّحت جانبَ الصدق على الكذب والبراءةَ على التهمة. وإذا تعارض كلامُ الناقد وكلامُ صاحبي الصحيحين فيمن أخرج لهم الشيخان من أهل البدع، قُدّم كلامُهما واعتبارُهما للراوي على كلام غيرهما، لأنّهما أعرفُ بالرجال من غيرهما" [33] .

وقال السيوطي [34] :

"الصَّواب أنَّه لا تُقبل رواية الرَّافضة وساب السَّلف, كما ذكره المُصنِّف في «الرَّوضة» في باب القَضَاء في مسائل الإفتاء, وإن سكتَ في باب الشَّهادات عن التَّصريح باستثنائهم, إحالة على ما تقدَّم, لأنَّ سباب المُسْلم فُسوق, فالصَّحابة والسَّلف من باب أولى."

وقد صرَّح بذلكَ الذَّهبي في «الميزان» [35] فقال: البدعة على ضَرْبين: صُغرى, كالتَّشيع بلا غُلو, أو بغلو, كمن تكلَّم في حقِّ من حارب عليًّا, فهذا كثير في التَّابعين وتابعيهم مع الدِّين والورع والصِّدق, فلو رُدَّ حديث هؤلاء, لذهب جُملة من الآثار النَّبوية, وهذه مَفْسدة بينة.

ثمَّ بِدْعة كُبرى, كالرَّفض الكامل, والغُلو فيه, والحطِّ على أبي بكر وعُمر, والدُّعاء إلى ذلكَ, فهذا النَّوع لا يُحتجُّ بهم ولا كَرَامة.

وأيضًا فما أستحضرُ الآن في هذا الضَّرب رَجُلا صادقًا, ولا مأمونا, بل الكذب شعارهم, والتَّقية والنِّفاق دثارهم. فكيف يقبل نقل من هذا حاله ! حاشا وكلا.

فالشيعيُّ الغالي في زمان السَّلَف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليا رضى الله عنه، وتعرَّض لسبهم.

والغالي في زماننا وعرفنا هو الذى يكفِّر هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين أيضا، فهذا ضالٌّ معثرٌ انتهى.

وهذا الَّذي قاله هو الصَّواب الَّذي لا يحلُّ لمسلم أن يعتقد خلافه.

وقال في موضع آخر [36] : اختلف النَّاس في الاحتجاج برواية الرَّافضة على ثلاثة أقوال: المنع مُطلقًا, والتَّرخص مُطلقًا, إلاَّ من يكذب ويضع, والثَّالث التَّفصيل بين العَارف بما يحدث وغيره.

(1) - الثقات ( 6 / 284 ) .

(2) - الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ( 1 / 160 ) .

(3) - الكفاية ( ص: 205 ) رقم (335)

(4) - انظر: الكفاية للخطيب ( ص: 202 - 203 ) ، كشْف الأسرار عن أصول البَزدوي ( 3 / 26 - 27 ) ، وحكى الخطيب ( ص: 194 ) عن الشافعي أنه قال:"وتُقبل شهادةُ أهْل الأهواء ، إلا الخطابية من الرافضة ؛ لأنهم يروْنَ الشهادة بالزور لموافقهم"، وأسند البيهقي في"السنن" ( 10 / 208 - 209 ) معناه

(5) - أخرجه الخطيب في"الكفاية" ( ص: 151 ) وإسناده صحيح .

(6) - الاقتراح في بيان الاصْطلاح ( ص: 333 - 334 ) وابنُ دقيق وإن صار إلى ترك الرواية عن المبتدع الداعية ، إلا أنه جعل ذلك من أجل الإهانة له والإخماد لبدعته ، وإن لم نَجد ما رَوى موجودًا من غير طريقه قبلْناه تقديمًا لمصْلحة حفظ الحديث .

(7) - الكفاية ( ص: 200 - 201 ) .

(8) - أخرجه أبو القاسم البَغوي في"الجعديات" ( رقم: 1093 ) والعُقيلي في"الضعفاء" ( ق: 1 / ب ) وإسناده صحيح . و سير أعلام النبلاء (5/278)

(9) - أبو هلال اسمُه مُحمد بن سُليم الراسبي ، وعبْد الوارث هوَ ابنُ سعيد ، وسلاَّم هوَ ابنُ مسكين .

(10) - سؤالات ابن أبي شيبة ( ص: 45 - 46 ) .

(11) - سؤالات السلمي للدارقطني ( النص: 241 ) بإسناد صحيح .

(12) - أخرجه الخطيب في"الكفاية" ( ص: 207 ) (344) وإسناده صحيح .

(13) - أخرجه الخطيب في"الكفاية" ( ص: 208 ) (349) وإسناده صحيح .

(14) - الإحكام في أصول الأحكام ( 1 /149 ) .

(15) - سؤالات ابن أبي شيبة ( النص: 99 ) .

(16) - نقله عنه ابن أبي خيثمة في"تاريخه" ( ص: 335 _ تاريخ المكيين ) .

(17) - أحوال الرجال ( النص: 108 ) قلت: ولا يصحُّ أن يُقبل جرح الجوزجاني فيمن فيه تشيُّع ؛ لِما اتُّهم به من النصب .

(18) - أحوال الرجال ( النص: 327 ) .

(19) - أخرجه الخطيب في"تاريخه" ( 10 / 262 ) وإسناده صحيح .

(20) - انظر ترجمته في: تاريخ بغداد ( 10 / 261- 263 ) وتهذيب الكمال ( 17 / 177 - 182 ) .

(21) - سؤالات الآجري ( النص: 1922 ) ، وعن الحافظ موسى بن هارون الحمَّال بمعنى هذا ، قال:"كانَ يحدث بمثالبِ أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه" ( تاريخ بغداد 10 / 263 )

(22) - سؤالات الآجري ( النص: 1296 ) ومن طريقه: الخطيب في"الكفاية" ( ص: 207 ) .

(23) - أخرجها الخطيب في"الكفاية" ( ص: 209 ) (351) بإسناد جيد .

(24) - المجروحين ( 2 / 172 ) .

(25) - سؤالات ابن الجنيد ( النص: 674 ) ومن طريقه: الخطيب في"الكفاية" ( ص: 208 ) (347) .

(26) - هدي الساري ، للحافظ ابن حجر ( ص: 428 ) .

(27) - أخرجه مُسلمٌ في"مُقدمته" ( ص: 20 ) رقم (61) والعُقيلي في"الضعفاء" ( 1 / 194 ) وإسناده صحيح . وأما تفسير الرجْعة ، فأحسن شيء يُبيَّن ذلك ما حكاه سُفيان بنُ عيينة نفسُه قال:"إن الرافضة تقول: إنَّ علياًّ في السحاب ، فلا نَخرج مع مَن خرج من ولده حتى يُنادي مُنادٍ من السماء: اخرجوا معَ فلانٍ"، وحكى عن جابر الجُعفي في قوله تعالى { فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي } [ يوسف: 80 ] قال: لم يجئ تأويلها . قال سُفيان: كذب . أخرجه مسلم في"مُقدمته" ( ص: 21 ) وابنُ عدي ( 2 / 331 ) بإسناد صحيح إلى سُفيان .

(28) - عمرو بن عبيد بن باب بموحدتين التميمي مولاهم أبو عثمان البصري المعتزلي المشهور كان داعية إلى بدعته اتهمه جماعة مع أنه كان عابدا من السابعة مات سنة ثلاث وأربعين أو قبلها قد فق . تقريب التهذيب [ج 1 -ص 424 ] (5071 )

(29) - أخرجه ابنُ أبي حاتم في"الجرح والتعديل" ( 1 / 1 / 28 ) وإسناده صحيح .

(30) - انظر تحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع - (ج 1 / ص 258-269)

(31) - الباعث الحثيث، أحمد شاكر، 84 .

(32) - انظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي، 7/153 ـ 154 .

(33) - الوسيط في علوم ومصطلح الحديث، 396 .

(34) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 256)

(35) - ميزان الاعتدال - (ج 1 / ص 5) ولسان الميزان للحافظ ابن حجر - (ج 1 / ص 3)

(36) - ميزان الاعتدال - (ج 1 / ص 27)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت