فهرس الكتاب

الصفحة 400 من 522

الثالث عشر - تقديم المتن على الإسناد.

إذا قدَّم الرَّاوي المتن على الإسْنَاد كقال رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا ثمَّ يذكر الإسناد بعده أو المتن وأخَّر الإسْنَاد من أعلى كروى نافع عن ابن عُمر عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - كذا, ثمَّ يقول: أخبرنا به فُلان عن فُلان, حتَّى يتصل بما قدَّمه صحَّ وكان مُتَّصلًا.

فلو أراد من سمعهُ هكذا تَقْديم جميع الإسْنَاد بأن يبدأ به أولًا, ثمَّ يذكر المَتْن فجَوَّزه بعضهُم أي أهل الحديث من المُتقدمين.

قال النووي في «الإرْشَاد» : وهو الصَّحيح.

قال ابن الصَّلاح [1] : وينبغي أن يكون فيه خلاف, كتقديم بعض المتن على بعض أي كالخلاف فيه.

فإن الخَطِيب حكى فيه المنع بناء على منع الرِّواية بالمعنى والجواز على جوازها.

قال البَلْقِيني [2] : وهذا التخريج ممنوع, والفرق أن تقديم بعض الألفاظ على بعض يؤدي إلى الإخلال بالمقصود في العطف, وعود الضمير, ونحو ذلك, بخلاف تقديم السند كله أو بعضه, فلذلك جاز فيه ولم يتخرج على الخلاف. انتهى.

قلت: والمَسْألة المَبْني عليها أشار إليها النووي كابن الصَّلاح, ولم يُفرداها بالكلام عليها, وقد عقد الرامهرمزي لذلك بابًا, فحكى عن الحسن, والشَّعبي, وعبيدة, وإبراهيم, وأبي نَضْرة, الجَوَاز إذا لم يغير المعنى.

قال النووي [3] : وينبغي القطع به إذا لم يكن للمُقدم ارتباطًا بالمؤخر.

فائدة:

قال الحافظ ابن حجر [4] : تَقْديم الحديث على السَّند يقع لابن خُزَيمة, إذَا كان في السَّند من فيه مقال, فيَبْتدىء به, ثمَّ بعد الفَرَاغ يذكر السَّند.

قال: وقد صرَّح ابن خزيمة بأنَّ من رواهُ على غير ذلك الوجه لا يَكُون في حل منهُ, فحينئذ يَنْبغي أن يمنع هذا, ولو جَوزنا الرِّواية بالمعنى.

وقال العراقي [5] :"إذا رَوَى الشيخُ حديثًا بإسنادٍ لهُ ، وذكرَ متنَ الحديثِ . ثُمَّ أتبعَهُ بإسنادٍ آخرَ ، وحذفَ متنَهُ ، وأحالَ به على المتنِ الأوَّلِ ، بقولِهِ: مِثْلُهُ ، أو نحوُهُ ، فهلْ لِمَنْ سمعَ منهُ ذلكَ أنْ يقتصرَ على السندِ الثاني ، ويسوقَ لفظَ حديثِ السندِ الأوَّلِ ؟ فيهِ ثلاثةُ أقوالٍ:"

أظهرُهَا منعُ ذلكَ، وهو قولُ شعبةَ. فروينا عنهُ أَنَّهُ قالَ: فلانٌ عن فلانٍ: مِثْلُهُ ، لا يُجْزِئُ . وروينا عنهُ أيضًا ، أنَّهُ قالَ: قولُ الراوي: نحوَهُ ، شكٌّ .

والثاني: جوازُ ذلكَ إذا عُرِفَ أنَّ الراوي لذلكَ ضابطٌ مُتَحَفِّظٌ ، يذهبُ إلى تمييزِ الألفاظِ وَعَدِّ الحروفِ ، فإنْ لم يُعْرَفْ ذلكَ منهُ ، لم يَجُزْ . حكاهُ الخطيبُ عن بعضِ أهلِ العلمِ . وروينا عن سفيانَ الثوريِّ قالَ: فلانٌ عن فلانٍ مِثْلهُ يُجْزِئُ ، وإذا قالَ: نحوَهُ، فهو حديثٌ .

والثالثُ: أنَّهُ يجوزُ في قولِهِ: مثلِهِ ، ولا يجوز في قولِهِ: نحوهِ . وهو قولُ يحيى بنِ معينٍ . وعليهِ يدلُّ كلامُ الحاكمِ أبي عبدِ اللهِ حيثُ يقولُ: لا يَحِلُّ لهُ أنْ يقولَ: مِثلَهُ إلاَّ بعدَ أنْ يَعْلَم أنَّهُما على لفظٍ واحدٍ، ويحلُّ أنْ يقول: نحوَهُ، إذا كانَ على مثلِ معانيهِ. قالَ الخطيبُ [6] : (( وهذا على مذهبِ مَنْ لم يُجِزِ الروايةَ على المعنى ، وأمَّا على مذهبِ مَنْ أجازَها فلا فَرْقَ بينَ مثلِهِ ونحوِهِ ) ). قالَ الخطيبُ: وكانَ غيرُ واحدٍ من أهلِ العلمِ، إذا روى مثلَ هذا يوردُ الإسنادَ ، ويقولُ: مثلُ حديثٍ قبلَهُ ، متنُهُ كذا وكذا، ثم يسوقُهُ . قالَ: وكذلكَ إذا كانَ المحدِّثُ قدْ قالَ نحوَهُ. قالَ: (( وهذا الذي أَختارُهُ ) )."اهـ"

ـــــــــــــــ

(1) - علوم الحديث ص 237

(2) - محاسن الاطلاع ص 351

(3) - مقدمة شرح مسلم 1/37

(4) - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 2 / ص 146)

(5) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 174)

(6) - الكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 210)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت