والعمر وهو رأس مال العبد الذى ينفق منه مهما كثر فهو قليل ، ومهما طال فهو قصير، والآمال تخترمها الآجال ، ومن هنا حث الإِسلام على المبادرة بالعمل الصالح وعدم ضياع أية لحظة من لحظات العمر في غير ما يفيد، ومن مظاهر هذا ما جاء في حديث البخارى"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس ، الصحة والفراغ"وما جاء في حديث حسن صحيح رواه الترمذى والبيهقى"لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه ، وعن شبابه فيم أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل فيه"وما جاء في حديث ابن أبي الدنيا بإسناد حسن"اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك"وما جاء في خطبة أبى بكر الصديق رضي الله عنه: إنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه ، فإن استطعتم أن تنقضى الآجال وأنتم في عمل الله -ولا تستطيعون ذلك إلا بالله- فسابقوا في مهل بأعمالكم قبل أن تنقضى آجالكم فتردكم إلى سوء أعمالكم ، فالوحا الوحا، النجاء النجاء، فإن وراءكم طالبا حثيثا أمره ، سريعا سيره . وما قاله بعض البلغاء: من أمضى يومه في غير حق قضاه ، أو فرض أداه ، أو مجد أثَّله ، أو حمد حصله ، أو خير أسسه ، أو علم اقتبسه ، فقد عق يومه وظلم نفسه .
وما قاله الإمام الشافعى، وهو النموذج الصالح لطلب العلم:
سهرى لتنقيح العلوم ألَذُّ لى * من وصل غانية وطيب عناق وتمايلى طربا لحل عويصة * أشهى وأعظم من مدامة ساق وألذ من نقر الفتاة لدفها * نقرى لألقى الرمل عن أوراقى وصرير أقلامى على صفحاتها * أبهى من الدوكاء والعشاق أأبيت سهران الدجى وتبيته * نوما وتبغى بعد ذاك لحاقى؟ وما قاله عمر بن الخطاب وهو نموذج صالح لكل العاملين والمسئولين ، حين جاء معاوية بن خديج يبشره بفتح الإِسكندرية فوصل المدينة وقت القيلولة فظن أنه نائم يستريح ثم علم أنه لا ينام في ذلك الوقت: ... لئن نمت النهار لأضيعن حق الرعية، ولئن نمت الليل لأضيعن حق الله ، فكيف بالنوم بين هذين الحقَّين يا معاوية؟ بعد هذه السطور القليلة في بيان قيمة الوقت وخطورة التفريط في استغلاله في الخير نعلم أن الإِفراط في اللهو بكل الوسائل الحديثة غير مشروع ، وهو حرام إن ضيَّع واجبا لله أو للأسرة أو للنفس أو للمجتمع ، وحرام إن كان على قمار ومراهنة، وحرام إن ترتب عليه ضرر دينى أو صحى أو اقتصادى ، والنصوص في ذلك كثيرة ، ويمكن الرجوع إليها عند الإجابة على أحكام أدوات اللعب"ص 209 من المجلد الثالث من هذه الفتاوى"والرياضة البدنية"ص 196 من المجلد الثالث"والتليفزيون"ص 212 من المجلد الثالث"والموسيقى والغناء"ص 238 من المجلد الأول"وأجهزة الفيديو"ص 412 من المجلد الثانى"
القول بأن الوقت ليس كله للدين
المجيب د. حمد بن إبراهيم الحيدري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ الآداب والسلوك والتربية/حقوق المسلم وواجباته
التاريخ 17/5/1424هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله، بعض المسلمين يقولون: ليس الوقت كاملا للدين، ولكن يجب أن نعطي للدنيا حقها..، والأمر هنا يتعلق بمشاهدة المسلسلات وغير ذلك من اللهو وتضييع الوقت...الخ، فلإقناع هؤلاء الإخوة: ما هو موقف الإسلام أمام هذه الدعايات؟ أفيدوني جزاكم الله عني خيرًا.
الجواب
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن دين الإسلام دين الاعتدال دين الوسطية، والمسلم يعلم أنه إنما خلق لعبادة الله تعالى، وليعمر الأرض بطاعة الله، والعبادات منها ما هو واجبات ومنها ما هو تطوع لتكميل ما نقص في أداء الواجبات، وللتقرب لله تعالى وطلب رفعة الدرجة، والواجبات معروفة، وبالنظر إلى ما تستغرقه من الوقت فإنها لا تستغرق وقتًا كثيرًا، فانظر مثلًا الصلوات الخمس كم تستغرق من الوقت، والحج كذلك، والصيام، مع أن الإنسان قد يكون في عبادة ويمارس أعمالًا دنيوية، كأن يكون صائمًا أو حاجًا ونحو ذلك، وأما التطوع فهو اختياري حث عليه الشرع ولم يلزم به، وأمر بالاقتصاد فيه، بحيث لا يشق العبد على نفسه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لن يَمَلَّ حتى تملُّوا"، وكان يقول: أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل"رواه البخاري (1970) ، ومسلم (782) من حديث عائشة -رضي الله عنها- وقال: -صلى الله عليه وسلم-"ليصل أحدكم نشاطه"رواه البخاري (1150) ومسلم (784) من حديث أنس -رضي الله عنه- وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت:"دخلت عليَّ خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية وكانت عند عثمان بن مظعون - رضي الله عنه - قالت فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذاذة هيئتها، فقال لي: يا عائشة ما أبذَّ هيئة خويلة، قالت فقلت: يا رسول الله امرأةٌُ لا زوج لها، يصوم النهار، ويقوم الليل فهي كمن لا زوج لها، فتركت نفسها وأضاعتها، قالت: فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عثمان بن مظعون فجاءه، فقال: يا عثمان أرغبةً عن سنتي؟ فقال: لا والله يا رسول الله، ولكن سنتك أطلب قال: فإني أنام وأصلِّي وأصوم وأفطر وأنكح النساء فاتق الله يا عثمان فإن لأهلك عليك حقًا وإن لضيفك عليك حقًا وإن لنفسك عليك حقًا فصم وأفطر وصَلِّ ونم"أخرجه أبو داود (1369) والإمام أحمد في المسند (6/8) ونحو ذلك قاله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- فيما رواه مسلم (1159) ."
فإذًا الفرائض لا تستغرق وقتًا كثيرًا، والنوافل لا بد من الموازنة فيها، فلا تطغى على بقية الحقوق، ولا تكون بإشقاق على النفس.
لكن وقت المسلم كله لله؛ بمعنى أنه يصرفه في مرضاة الله، فلا يستعين بهذه النعمة نعمة الوقت ونعمة العافية ونعمة السمع والبصر وغيرها على معصية الله، بل إن الأعمال التي هي عادات أو طلب رزق تتحول إلى عبادة وقربة بالنية الصالحة، فطلب الرزق الحلال ابتغاء الاستغناء عن الحرام وعمّا ما في أيدي الناس قربة وطاعة، والتزوج اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ورغبة في العفاف قربة وطاعة وهكذا، وبهذا يتحقق قوله تعالى:"قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ" [الأنعام:162-163] .
أما إضاعة الوقت في المسلسلات وفي اللهو الذي يكسل عن الطاعة ويثقلها فليس من الدين ولا من الدنيا، بل الغالب عليه أنه اشتغال بالمعاصي البصرية والسمعية، وهو ليس من إعطاء الدنيا حقها، وسيسأل الإنسان عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه، انظر ما رواه الترمذي (2417) من حديث أبي برزة الأسلمي -رضي الله عنه- فواجب على المسلم أن يربي نفسه وأن يطلب معالي الأمور، وإذا أراد الراحة والاستجمام فليكن ذلك بالمباحات، وليستعن بالله ويسأله التوفيق.
أسباب حصول البركة في الوقت للسلف
تاريخ الفتوى: 18 جمادي الأولى 1423
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أولا نستدل من حقيقة ختم عثمان رضي الله عنه للمصحف في ركعة واحدة على أن البركة قد نزعت من وقتنا وعلى أن الدقيقة الواحدة في زمن الصحابة والتابعين كانت أطول منها الآن؟ أفيدونا أثابكم الله, والسلام عليكم
الفتوى