فهرس الكتاب

الصفحة 322 من 788

وذكر العلماء -وهذا لا بد من التنبيه عليه- أن منهم من يختم بالنهار وبالليل ختمة، ومنهم من يختم ختمتين بالليل، وذكر الحافظ ابن كثير والنووي عن ابن الكاتب الصوفي أنه كان يختم أربعًا بالليل وأربعًا بالنهار، وهذا ليس بالمقدور، والوقت لا يستوعب، وذكر القسطلاني عن شخصٍ أنه كان يقرأ القرآن في أسبوع، قلنا أسبوع ممكن، ثم قال: وقيل في شوط، وعرفنا أن الأسبوع الطواف بالبيت سبعًا، وهذا لا يمكن، ولا شك أن هذا من تلبيس الشيطان على بعض الناس، يريه أنه قرأ وهو في الحقيقة لم يقرأ، والقراءة التي تترتب عليها آثارها لا شك أنها إذا كانت على الوجه المأمور به، بالتلاوة والتدبر، وبنية الانتفاع من القرآن.

شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يقول:"وقراءة القرآن على الوجه المأمور به تورث القلب من العلم والعمل والإيمان والطمأنينة والراحة ما لا يدركه إلا من جرَّب". ابن القيم -رحمه الله تعالى- يقول:

فتدبر القرآن إن رمتَ الهدى

فالعلم تحت تدبر القرآنِ

وأما قراءة الهذّ من غير ترتيل ولا تدبر لا شك أن أثرها في النفس ضعيفة، لكنها إذا أخرجت الحروف من مخارجها، ونطق بها الإنسان نطقًا كاملًا لا شك أن أثرها في تحصيل الحسنات المرتبة على مجرد القراءة يثبت -إن شاء الله تعالى-، بكل حرف عشر حسنات.

وجاء عن الدارمي وأحمد بإسناد جيد: (( أن قارئ القرآن يقال له: اقرأ، وارتق في درج الجنة كما كنت تقرأ في الدنيا هذًّا كان أو ترتيلًا ) )لكن العلم والإيمان الذي تورثه القراءة لا تكون مع هذا الهذّ، والمسألة على التعود، إذا تعود الإنسان أن يقرأ بهذّ لا يستطيع أن يتريث، بل يكون نظره إلى آخر السورة.

وعلى كل حال علينا أن نعنى بكتاب الله -جل وعلا-، ففيه العلوم كلها، وفيه الخير كله، ومن قام يقرأه كأنما يخاطب الرحمن مباشرة؛ لأنه كلامه.

هو الكتاب الذي من قام يقرأه

كأنما خاطب الرحمن بالكلم

بعض الناس إذا انتهى من دوامه وارتاح بعد العصر، بعد المغرب للجرائد والمجلات، وبعد العشاء للمساهير، وليس لكتاب الله -جل وعلا- منه نصيب.

مع الأسف بعض طلاب العلم لا يعرف القرآن إلا أن تقدم قبل الصلاة بدقائق، يفتح المصحف وإلا فلا يعرفه، وهذا خلل، يعني إذا لم نعنَ بكتاب الله فكيف نعنى بكلام البشر؟ هو الغاية، والسنة مفسرة للقرآن، فكيف نترك الغاية ونشتغل بالوسائل؟ والسنة كما جاء: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [ (3-4) سورة النجم] فالسنة أيضًا غاية، فعلينا أن نعنى بالأصلين بالوحيين، وما يعين على فهمهما، بحيث إذا تعارض النظر في غيرهما مع النظر مع غيرهما قدم النظر فيهما إلا إذا قدمنا الوسائل على المقاصد لفهم المقاصد، وأما إذا عرفنا الوسائل فيكون اهتمامنا منصبًا على هذه الغايات، والله أعلم.

,صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة

عن عائشة رصي الله عنها قالت:"دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فأبده رسول الله صلى الله عليه وسلم، بصره فأخذت السواك فقضمته ونفضته وطيبته، ثم دفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستن به، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استن استنانا قط أحسن منه فما عدا أن فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يده أو إصبعه ثم قال: في الرفيق الأعلى، ثلاثًا، ثم قضى". [أخرجه البخاري] .

إنّ المُوفَّق لا يُفرِّطُ بشيءٍ من السُّنن حتى في أحلك الظُّرُوف والأحوال.

وكثيرٌ من النَّاس تُشاهِدُونهُ في الأوقات التِّي تضيق بالنِّسبة لهُ يُهدر كثيرًا من الواجبات فضلًا عن السُّنن، فهو يتخفَّف من الواجبات لأدْنَى سبب، ويعْذُر نفسهُ بأدْنَى عُذْر بتخلفه عن الواجبات، فمثلًا: يترك الصَّلاة مع الجماعة لأدْنى عُذر، كأن يُصاب بزُكام، أو وعكة خفيفة، فيترك الصَّلاة، أو يُؤخِّرها حتى يخرج وقتُها، ويتخفَّف متعللًا بقوله: الله غفورٌ رحيم!.

نعم الله غفورٌ رحيم، ورحمتُه سبحانه وتعالى وسعت كُلَّ شيء.

يقول سبحانه: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) . [سورة الأعراف، الآية: 156] .

لكن السؤال: لمن سيكتبها؟!.

هل سيكتبها للمُفرِّطين للذِّين يُزاولُون المُنكرات، ويعتمدُون على سعة رحمة الله؟!.

الجواب: لا، فهو سبحانه أخبر عن نفسه أنّه غفورُ رحيم، وأخبر عن نفسِهِ أيضًا أنه شديدُ العقاب، يقول سبحانه: (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) . [سورة البقرة، الآية: 196] .

والله سبحانه وتعالى يغار، ولذا حُدَّت الحُدُود، فكيف يزني الزَّاني ويقول: الله غفورٌ رحيم؟! وكيف يسرق السَّارق ويقول: الله غفورٌ رحيم، وأن ورحمة الله - جل وعلا - لا تُحد، فقد وسِعت كل شيء؟!.

نعم، إن مع هذا الوعد هناك وعيد، وعلى المُسلم أنْ ينظر إلى النُّصُوص مُجتمعة، فلا ينظر إلى الوعيد فقط فيُصاب باليأس والقُنُوط، ويسلك مسالك الخوارج، وعليه أيضًا ألا ينظر إلى نُصُوص الوعد مُعرضًا عن نُصُوص الوعيد فيسلك مسلك الإرجاء، وينسلخ من الدِّين وهو لا يشعر.

فعلى الإنسان أنْ يتوسَّط في أُمُورِهِ كما هو مذهب أهل الحق مذهب؛ أهل السُّنة والجماعة.

إذًا النبي - عليه الصلاة والسلام- ما فرَّط في هذه السنة رغم ما يُكابِدُهُ من آلام وأوجاع، ومن عرف الله، وتعرَّف على الله في الرَّخاء، عرفهُ في الشِّدَّة.

من أراد أنْ ينظر الشَّواهد الحيَّة على ذلك على ذلك فليزر المرضى في المُستشفيات، لاسيَّما من كانت أمراضُهُم شديدة مُقلِقة؛ بل ينظر إلى أماكن العِناية، وينظر الفُرُوق.

دخلنا المُستشفى مرَّةً، فإذا بشخص عمُره أكثر من ثمانين، وهو في آخر لحظاتِ حياتِهِ، وعلى لسانِهِ اللَّعن والسَّب والشَّتم، ويلعن باللعن بالصَّريح، لا يفترُ عن ذلك!.

وخرجنا من عندهُ وهو على هذه الحال؛ لأنَّهُ عاش أيَّام الرَّخاء على هذه الحال.

وشخصٌ، بل أشخاص بغرف العناية، لا يعرف الزَّائِرين من حوله، ويُسْمع القرآن منهُ ظاهرًا، يُرتِّل القرآن ترتيلًا، وهو لا يشعر بمن حوله، لأنه مُغمىً عليه!.

وكم من شخص في حال إغماء، فإذا جاء وقتُ الأذان أذَّن أذانًا واضحًا وظاهرًا يُسْمَع منهُ؟!.

وكم من شخص يُلازم الذِّكر وهو يرقد بالعناية المركّزة، وتُرى علاماتُ الذِّكر على وجهِهِ.

قدِّم تجِد، وتعرَّف على الله في الرَّخاء يعرفك في الشِّدَّة.

أما لأدنى سبب تعذر نفسك وتترك الواجبات فضلًا عن المُستحبَّات، ففي النِّهاية لن تُعان.

كثير من طُلاَّب العلم - مع الأسف الشَّديد - ليس لهم نصيب كما ينبغي من كتاب الله -عز وجل- ، فإذا ذهب إلى الأماكن الفاضلة، في الأوقات المُفضَّلة في العشر الأواخر من رمضان في مكة يتفرَّغ للعبادة، فيجلس من صلاة العصر إلى أذان المغرب يتعرَّض لِنفحات الله في ذلك الوقت، يفتح المُصحف؛ لكن ليس لهُ رصيد سابق طُول عُمره، ويُريد أنْ يستغل هذه الأيام، فهل يُعان على قراءة القرآن؟!.

لا، لن يُعان أبدًا على هذا موجُودة!.

تجد شخص من خيار النَّاس يفتح المُصحف بعد صلاة العصر خمس دقائق ثُم يغلق المُصحف، يمل ويتلفَّت يمنة ويسرى لعلُّه يرى أحدًا يقضي معه بعض الوقت يُنفِّس عن نفسه!.

فهل أنت في كُربة حتى يُنفِّس عنك؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت