والوقوف على المنح الربانية والعطايا الرحمانية من هذه الفتن: ذلك أنه يكون من جملة أسباب هذه الفتنة ذنب أو تقصير أو غشيان معصية أو إخلال في العقيدة والثقة بالله؛ والتوبة ومراجعة النفس وسيلة لدراسة الحاضر واستهشراف المستقبل؛ فالمتأمل في غزوة أحد وفي ذنبٍ واحدٍ وهو نزول الرماة؛ وذلك بعد أن ظنوا أن المعركة انتهت؛ فماذا حصل؟ لقد وقع فيهم سبعون شهيدًا، ومُثِّلَ بهم أقبح تمثيل. لقد شُج رأس النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وهشموا البيضة على رأسه، وهي الخوذة التي يضعها الفارس على رأسه.
قال ـ جل وعلا ـ: {أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165] .
يقول ابن كثير ـ رحمه الله ـ: أي بسبب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمركم أن لا تبرحوا مكانكم فعصيتم. ويعني بذلك الرماة» (1) .
ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ـ رحمه الله ـ: «حين تنازعتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون؛ فعودوا على أنفسكم باللوم، واحذروا من الأسباب المردية؛ فإياكم وسوء الظن بالله؛ فإنه قادر على نصركم، ولكن له أتم الحكمة في ابتلائكم ومصيبتكم» (2) .
ويقول أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ: ما أهون الخلق على الله إذا هم عصوه.
ومن صور محاسبة النفس تقوية عقيدة الولاء والبراء وإثباتها في النفس؛ وذلك باستمرار المقاطعة الجادة للمنتجات اليهودية والنصرانية.
يقول الدكتور محمد بن عبد الله الشباني: في مقال (واجبنا زمن الانهزام) : «وبهذه المقاطعة يتحقق أمران:
الأول: تشجيع منتجات البلاد الإسلامية وتقوية اقتصادياتها.
الثاني: محاربة العدو اقتصاديًا بالامتناع عن شراء السلع المنتجة في تلك البلاد، ومحاربة كل تاجر مسلم يستورد السلع الاستهلاكية من بلاد أعداء المسلمين، وعلى كل فرد رفع شعار (قاطعوا الأعداء) بالامتناع عن شراء أي سلعة منتجة وموردة من بلاد النصارى وبالأخص الدول التي تتولى قيادة دول النصارى (3) .
6-وبالجملة فإن للفتن خيرات وفي المحن عطايا ومبشرات ومنافع ومسرات نذكر منها إجمالًا:
1-دفاع الله عن الذين آمنوا: يقول ـ جل وعلا ـ: {إنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج: 38] .
يقول ابن كثير ـ رحمه الله ـ: يخبر تعالى إنه يدفع عن الذين توكلوا عليه، وأنابوا إليه شر الأشرار وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم كما قال ـ تعالى ـ: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36] (4) .
ويقول الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ: «هذا إخبار ووعد وبشارة من الله للذين آمنوا أن الله يدفع عنهم كل مكروه، ويدفع عنهم بسبب إيمانهم كل شر من شرور الكفار وشرور وسوسة الشيطان وشرور أنفسهم وسيئات أعمالهم، ويحمل عنهم عند نزول المكاره ما لا يتحملون، فيخفف عنهم غاية التخفيف كل بحسب إيمانه له من هذه المدافعة والفضيلة بحسب إيمانه، فمستقلٌّ ومستكثر» (5) .
2 -صلابة الإيمان وقوته وقت المحن والأزمات: يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ: «ليس المؤمن بالذي يؤدي فرائض العبادات صورةً ويتجنب المحظورات فحسب؛ إنما المؤمن هو الكامل الإيمان لا يختلج في قلبه اعتراض، ولا يساكن نفسه فيما يجري وسوسة؛ وكلما اشتد البلاء عليه زاد إيمانه وقوي تسليمه» .
3 -إبراز الشخص بصورة أقوى لمقابلة الأزمات والشدائد: يقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي: «ومثل الابتلاء كقشر البيضة سجن لما فيها تحفظ ما بداخلها حتى يتشكل ويخرج بعد ذلك خلقًا آخر؛ وكذلك المبتلى يكون ابتلاؤه سجنًا له، ويتشكل وهو فيه حتى يخرج من الابتلاء وهو خلق آخر» .
4-ما ذكره الأستاذ عبد العزيز بن عبد الله في مقال: (القضية البوسنية دروس وعبر) :
أولًا: رجوع الناس في تلك البلاد إلى الإسلام؛ حيث برز منهم من يفهمه فهمًا صحيحًا بعد أن كان إسلامًاِ صوريًا بالهوية فقط وما نتج عن ذلك من التمايز عن الكفار بعد أن كانوا في حالة من الانصهار والذوبان معهم دون علم بحقيقة الإسلام، وحقيقة الكفر.
ثانيًا: أظهرت هذه الأحداث طرفًا من خيرية هذه الأمة، وأن الشعوب رغم ما دهاها في دينها فلا تزال فيها بقية من خير وحب للإسلام؛ وذلك فيما ظهر من التعاطف الشديد من المسلمين بعامة مع إخوانهم المنكوبين؛ حيث برزت أمثلة رائعة في البذل والتضحية والدعوة والجهاد من دعاة وخطباء ومجاهدين وأثرياء (6) .
*آخر المطاف:
عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي على الناس زمانٌ الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر» (7) .
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ـ رحمه الله ـ: وهذا الحديث يقتضي خبرًا وإرشادًا: أما الخبر فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه في آخر الزمان يقلُّ الخير وأسبابه، ويكثر الشر وأسبابه، وأنه عند ذلك يكون المتمسك بالدين من الناس أقل القليل؛ وهذا القليل في حالة شدة ومشقة عظيمة كحالة القابض على الجمر؛ من قوة المعارضين وكثرة الفتن المضلة.
أما الإرشاد فإنه إرشاد أمته أن يوطنوا أنفسهم على هذه الحالة، وأن يعرفوا أنه لا بد منها، وأن من اقتحم هذه العقبات وصبر على دينه وإيمانه مع المعارضات فله عند الله أعلى الدرجات، وسيعينه مولاه على ما يحبه ويرضاه؛ فإن المعونة على قدر المؤونة.
ولكن مع ذلك فإن المؤمن لا يقنط من رحمة الله، ولا ييأس من روح الله، ولا يكون نظره مقصورًا على الأسباب الظاهرة، بل يكون ملتفتًا في قلبه كل وقت إلى مسبب الأسباب الكريم الوهاب، ويكون الفرج بين عينيه ووعده الذي لا يخلفه بأنه سيجعل له بعد عسر يسرًا، وأن الفرج مع الكرب، وأن تفريج الكربات مع شدة الكربات (8) .
(1) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص 125.
(2) رواه مسلم عن أنس ـ رضي الله عنه ـ في وصف الجنة، رقم 2822.
(3) رواه مسلم، رقم 7326.
(4) شرح صحيح مسلم للإمام النووي (18/288) .
(1) المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير، ص 949 950.
(2) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص 521 522.
(3) الفتح، (3/ 1423) .
(4) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص 125.
(5) رواه مسلم (2583) .
(6) رواه مسلم (4/ 2215) .
(7) رواه أحمد (4/130) .
(8) يحسن الرجوع إلى كتاب: (قل هو من عند أنفسكم) ، للشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل.
(1) المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير، ص 258.
(2) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص 123.
(3) مجلة البيان، عدد 76، شهر ذي الحجة عام 1414هـ.
(4) المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير، ص 897.
(5) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص 488.
(6) مجلة البيان، عدد (94) شهر جمادى الآخر، 1416هـ.
(7) رواه الترمذي، كتاب الفتن، رقم 2186.
(8) كتاب بهجة القلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار، ص 200 201. ttp://www.albayanmagazine.com المصدر:
النقال يسرع زمن استجابة المخ
مع تزايد مخاوف المستهلكين من إمكانية أن يؤدي استخدام الهاتف المحمول لفترات طويلة إلى مشكلات صحية تتراوح بين الإصابة بالصداع إلى الأورام تظهر دراسة حديثة وجود معدلات تنذر بالخطر للإصابة بسرطان المخ بين بعض من مستخدمي الهواتف المحمولة.