إن الأزمة الحقيقية التي تمر بها مجتمعاتنا الإسلامية في عصورنا الراهنة هي أزمة وعي بالدور الحضاري للأمة التي أراد الله عزوجل- أن تكون شاهدة على كل الأمم وفي كل العصور!! يقول الحق- تبارك وتعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ... ) [آل عمران: من الآية110] و قال - سبحانه: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا... ) [البقرة: من الآية143] فالخيرية التي وُصفت بها الأمة إنما هي معلّلة بالدور الذي يجب أن تؤديه لتلك المجتمعات الأرضية من أمر بالمعروف بكل ما يشمله هذا المفهوم، وكذلك النهي عن المنكر بنفس الشمول أيضًا، وهذا المعنى الزائد عن الوصف هو من أهم الأسس في شهودنا الحضاري على الأمم، وقد نبه عمر - رضي الله عنه - على حقيقة هذا المفهوم الشامل الذي يتعدى الأحكام الفردية إلى الممارسات الحياتية المختلفة إلى الهيئات الخارجية للناس، وذلك لمّا رأى في أحد الحجج التي حجها هيئة سيئة للناس لا تليق بمقام أهل الإسلام، حينها قرأ قوله - تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس.. ) ثم قال:"يأيها الناس، من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله منها".
إن المراد بحقيقة هذه الأزمة التي تعاني منها الأمة يكمن في أن رسالتها في الشهود الحضاري على الخلق جميعًا: إنسهم وجِنّهم، برّهم وفاجرهم، جمادهم وحيوانهم غير واضحة في وعيهم الديني فضلًا عن وجود هذه المعاني في واقع حياتهم.. بل أصبحت مغيّبة من دروس العلم وخطب الوعظ ولقاءات ومؤتمرات وكتابات أهل الفكر والعلم والنظر- إلا من رحم ربك- وأظن أن عددهم قليل بالنسبة لجموع أولئك النخب.
هذه الأهمية لا مجال لبسط الحديث حولها في مثل هذا المقال؛ بل يحتاج الأمر إلى فصول وأبواب حتى يتم تشكيل الوعي المدرك بالخطوة الأولى في مدارج العمل الراشد للتحضر.. ولعل الأهم في هذه المرحلة أن نثير أهل العزم والحزم من علماء ودعاة الأمة الإسلامية بأن يبعثوا من جديد هذا الوعي في عقول الجميع، ويقدموا لأفراد الأمة العدة الكافية والعتاد اللازم لخوض المعركة الحضارية التي زاد سعارها بعد اندفاع سيل العولمة في كل أودية الفكر والثقافة والاقتصاد في مجتمعاتنا؛ حتى الحملات العسكرية الغربية التي تُشنّ على بعض البلاد الإسلامية وغيرها تُسوّغ بأنها دفاع عن القيم والمبادئ الحضارية، ولا يقصدون هنا سوى حضارتهم دون غيرها. فأُقحمنا -شئنا ذلك أم أبينا- أمام صدام عملي بين الحضارات العالمية، وإن كان المفهوم النظري لهذا الصدام أكثر تسامحًا وتعقّلًا - ومع هذا التحفظ على المصطلح - فإن الأدوات الفاعلة في هذه الحرب المستعرة هي للعلم والتقدم والتسابق التقني والتنافس الاقتصادي على الموارد والطاقة، وليست في حقيقتها سباقًا في التسلح أو من خلال عسكرة الحرب.
فالمعركة ضارية، وتحتاج منا إلى تأهل يدفعنا إلى معرفة موقعنا على خارطة الأمم، ومحاولة اليقظة العاجلة بالعودة إلى أسس المدافعة والبناء، ولن يتم ذلك إلا بالبناء العلمي، وإشاعة العدل والمساواة، واحترام الإنسان والإحسان إلى كل شيء.
وبالعودة الصادقة الواعية للدين نضمن الحصول على كل تلك الأدوات الفاعلة للنهوض الحضاري، كما استخدمها النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعثه الأول للأمة.. فالعلم فريضة في شريعتنا على كل مسلم ومسلمة، والعدل والمساواة قواعد كلية عليها قامت كل أحكام الدين و الدنيا، واحترام الإنسان جاء من خلال حفظ كلياته الخمس: دينه ونفسه ونسله وعقله وماله، وانتظمت كل الأحكام الشرعية في تلك المقاصد الكلية، أما الإحسان فقد كتبه الله عزوجل- على كل شيء حتى في أعنف حالات التعامل مع الآخرين، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إن الله كتب الإحسان في كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته"حتى الجماد والبيئة لم يُغفل حقها من التشريع؛ كما في النهي عن البول في الماء الراكد أو تحت الأشجار أو طرقات الناس، وكذا نهيه عن سبّ الدهر، والريح، أو قطع الأشجار المثمرة، إلى غيرها من صور التحضر الواعي الذي افتقدناه في مجتمعاتنا التي أصبحت مضرب المثل في التخلف والفقر، وشيوع الأمراض، وانعدام الحياة الكريمة للفرد العادي، فهل ستشكّل يقظة الوعي لدينا الإفاقة اللازمة لغفوتنا الحضارية الراهنة.. ؟!
إبحار في زمن السقوط
عبد العزيز بن محمد السالم
رجلٌ سار على درب الرمادْ *** وتمادى في أمانيه وزادْ
وعلى كل الشعارات ارتقى *** خفقتْ راياته في كل نادْ
وتنادت بسمةُ النصر على *** كل ثغرٍ عشق الرِّقَ ومادْ
و (رفاق) النصر قد باتوا على *** لَغَطٍ يعلو وأقداحٍ تُعادْ
رجلٌ ماتت حياة الناس في *** صوته الأحمر يستهوي الجمادْ
يدَّعي حب المساكين ولا *** يستحي مَن قطع أعناق العبادْ
يتباكى حين يلقى أمةً *** تشتكي الضعف وتستجدي النفادْ
وينادي بانتصار الحق من *** كل مَن يدعو إلى درب الفسادْ
ويبُزُّ الناس في مظهره *** أنه المنقذ من كل الشِّدادْ
أنه بذرة خيرٍ للدُّنَى *** يملأ الأرض جلالًا واجتهادْ
يمحقُ الباطلَ في معقله *** وينادي بمساواة العبادْ
وإذا الشرُّ تنامى زرعُه *** في الورى فهو له شرٌّ حصادْ
هكذا ظن وهذا ما ادعى *** هكذا قال وهذا ما أرادْ
خدع الدنيا بفكرٍ أحمرٍ *** غيُّه خافٍ وقد أبدى رشادْ
بعبارات على مبسمها *** ألفُ آهٍ تتمطى في انقيادْ
كان جبارًا وفي أفيائه *** مصنعٌ يعلو وبنيانٌ يُشادْ
والورى يهتف في موكبه *** فهو يستهوي ملايين الجرادْ
في حمى (منجله) رعبٌ سرى *** يحصد الأمنَ وأحلامَ الرقادْ
في حمى (منجله) شرعٌ به *** أمةٌ تُسبَى وآلافٌ تبادْ
لا تسلْ (مطرقة) الغدر كما *** لا تسلْ (منجله) عما يُرادْ
فلقد بان لنا الحق وما *** عاد يلهينا عن الحق سوادْ
سقطتْ كل الشعارات التي *** رُفعتْ فوق منار (الاتحادْ)
رجل أسقطه طغيانُه *** رجلٌ أنهكه أهلُ الجهادْ
طالما دامتْ ليالي عُرسه *** فليذُقْ من أهلنا طعم الحِدادْ
قَدُّكَ الممشوقُ يا هذا ذوى *** فاطَّرح فكرًا هزيلًا وعنادْ
عُد إلى كهف الضلالات ومُتْ *** في نواحيه وخذْ ماءً وزادْ
لا تُجربْ حظك العاثر في *** دعوة أخرى وأثوابٍ جِدادْ
كفرَ الناس بما قلتَ وهل *** يحصد المرءُ ورودًا من قتادْ!
قد تعجَّبتُ ولكن ليس من *** سقطة الفكر الذي امتدَّ وسادْ
إنما من بعض قومي حينما *** جعلوا فكرته فيهم عمادْ
أنا أقسمتُ وهذا الكون لي *** شاهدٌ قولًا وفعلًا واعتقادْ
أنه لا حظَّ في النصر لنا *** حينما نُسْلِمُ للكفر القيادْ
إنما النصرُ حليفٌ صادقٌ *** لصلاحٍ وكفاحٍ وجِلادْ
آه على زمن الشباب
د. عبد الرحمن بن عبد الرحمن شميلة الأهدل
وَلَّى الشَّبَابُ مُوَدِّعًا إِحْسَاسِي *** وَمَضَى بِرَوْنَقِهِ إِلَى الأَرْمَاسِ
وَلَّى الشَّبَابُ كَأَنَّهُ طَيْفُ الْكَرَى *** أَوْ كَالسَّرَابِ يَعِيْشُ فِيْ أَنْفَاسِي
وَلَّى الشَّبَابُ بِحُسْنِهِ وَبَهَائِهِ *** وَبِلَوْنِهِ الْوَضَّاءِ كَالأَلْمَاسِ
وَلَّى الشَّبَابُ بِمَا حَوَى مِنْ خُضْرَةٍ *** وَنَضَارَةٍ وَ بِثَوْبِهِ الْمَيَّاسِ