و لو سبرنا صفحات من التأريخ القريب و القريب فقط لرأينا كيف يكون الترف في المعاصي ، و أترك هذا مُبيَّضًا لإضافات القاريء النبيل .
و للعلامة ابن خلدون كلامٌ غاية في النفاسة حول هذه العلة سطَّرها في المقدمة في الفصل الثالث عشر ص 157.
فقد بيَّن في ذلك الموطن نفائس و دقائق من أبعاد هذه السنة الكونية .
( و المترفون في كل أمة هم طبقة الكبراء الناعمين الذين يجدون المال و يجدون الخدم و يجدون الراحة ، فينعمون بالدعة و الراحة و بالسيادة ، حتى تترهل نفوسهم و تأسن ، و ترتع في الفسق و المجانة ، و تستهتر بالقيم و المقدسات و الكرامات ، و تلَغُ في الأعراض و الحرمات ، و هم إذا لم يجدوا من يضرب على أيديهم عاثوا في الأرض فسادًا ، و نشروا الفاحشة في الأمة و أشاعوها ، و أرخصوا القيم العليا التي لا تعيش الشعوب إلا بها و لها .
و من ثمَّ تتحلل الأمة و تسترخي ، و تفقد حيويتها و عناصر قوتها و أسباب بقائها ، فتهلك و تطوى صفحتها .
و الآية تقرر سنة الله هذه )
وصف دقيق لمعنى الآية ، و تبصير بالغ لأبعاد السنة الإلهية الكونية .
هذه كلمات قالها الكاتب الأديب سيِّد قطب _ رحمه الله و غفر له _ في ( في ظلال القرآن 4/2217 ) .
و لو تدبرنا هذين النقلين ( كلام ابن خلدون ، وكلام سيد ) لرأينا وجوده في هذا العصر المتلاطم فتنًا و مآسيَ .
و حين إمعان النظر ، و إعمال الفكر يكاد يرجف القلب خوفًا و هلعًا من تتابع الفتن التي تؤذن بـ ( انهدام الصروح ) .
حقيقة غائبة آثرت تبيانها من خلال أسطر مستضيئًا بوحي آية ، مستأنسًا بأحوال سنة كونية ..
و الله أعلم
المراكز الصيفية سلبيات ومقترحات
سامي الطريقي
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فيقضي طلاب وطالبات المدارس ربع عامهم الدراسي في إجازة طويلة هي إجازة الصيف، الأمر الذي يحتم على من ولاهم الله أمر هؤلاء الشباب السعي الجاد لشغل هذه الإجازة بما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم. وهذه الإجازة الطويلة تسبب للبعض الملل بسبب الفراغ، بل حتى أولياء الأمور يتضايقون من عدم قدرتهم على التحكم بأبنائهم، ويتمنون أن تعاود المدارس فتح أبوابها بأسرع وقت. وكما قال أحدهم: بأن بيته خلال الصيف أشبه ما يكون بالفندق، فهذا لا ينام إلا بعد الفجر وذاك يريد أن يتناول فطوره وثالث وجبة العشاء بالنسبة له هي وجبة الغداء لآخر ورابع قد عاد للبيت عند السابعة صباحًا من أجل أن ينام بعد مواصلة السهر في الوقت الذي سيذهب غيره لعمله!!وهكذا...
إن أبناءنا وفلذات أكبادنا- من الجنسين - ينتظرون بكل شغف هذه الإجازة، وذلك بعد عام حافل بالجد والاجتهاد والانضباط، وينتظرون من آبائهم المساعدة في التخطيط لهذه الإجازة لكي تعود عليهم بالفائدة وتحفظهم من كل شر - بإذن الله -، لذلك ماذا فعلنا من أجلهم؟ وماذا خططنا لهم؟ وهل الفوضوية وعدم الانضباط والسهر هو كل ما يحتاجه الأبناء في الإجازة؟ وهل طبقنا قول المصطفى _صلى الله علية وسلم_:"كلكم راع ٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"؟
إن من أبواب الخير التي حافظت على أوقات الفراغ من الضياع لدى فئة الشباب وساعدتهم على تنمية مواهبهم وقدراتهم واستثمرت طاقاتهم وحققت التعارف واكتساب الصداقات وتبادل الخبرات فيما بين الآخرين هي (المراكز الصيفية) والتي تعد ثمرة من ثمار أهل الخير والصلاح الذين دخلوها بقوة وساهموا في نجاحاتها منذ ما يقارب (24 عامًا) وقاموا بجهود عظيمة لا نملك من خلال ذلك إلا الدعاء لهم، فجزاهم الله خير الجزاء.
لا شك أن النفس البشرية تميل إلى التجديد والتطوير لتكون أكثر فاعلية وأكثر تشويقًا لمختلف فئات الشباب، واستمرار قيام المراكز الصيفية على تحقيق الأهداف السامية والنبيلة يستدعي من القائمين عليها إعادة النظر مرة أخرى في الطريقة التي تسير عليها مثل هذه المراكز لتكون أكثر فاعلية وأقوى تأثيرًا.
وهنا سؤالان يتبادران إلى الذهن:
الأول:لماذا يبدأ التسجيل في المراكز الصيفية قويًا وبعد أيام يبدأ تسرب الشباب وغيابهم؟! الثاني: لماذا طلاب حلقات تحفيظ القرآن الكريم - في الغالب- هم أكثر حرصًا على التسجيل في المراكز الصيفية دون غيرهم؟!
وللإجابة عن هذين السؤالين فإن الأمر يحتاج إلى مصارحة وشفافية؛ الهدف منها تدارك السلبيات والقضاء عليها وتفعيل الإيجابيات - والتي بلا شك هي الأكثر- وتطويرها.
وبعض السلبيات - من وجهة نظري - هي:
1-تكرار الأنشطة كل عام وعدم مواكبة تطلعات الشباب وطموحاتهم.
2-الحرص والتركيز على تسجيل طلاب حلقات تحفيظ القرآن الكريم دون غيرهم، وهذا واضح وجلي، وقد يقول قائل: إن الإعلانات موجودة في المساجد والشوارع وغيرها، مما يعني أن الأكثرية على علم بمثل هذه المراكز، ولكن ما المانع من أن يقوم أهل الخير والصلاح بالتخطيط - من الآن - مع جيرانهم وأقاربهم وكذلك في المدارس بِحًث الشباب الآخرين على التسجيل.
3-الحرص على التسجيل في مراكز صيفية محددة دون غيرها وهذا يُضعف مراكز ويقوي مراكز أخرى.
4-أغلب طلاب حلقات التحفيظ في المساجد يسجلون في مراكز بعيدة عن مقر سكنهم لاتفاقهم مسبقًا أو لوجود مشرفين معروفين، وبالتالي فإن جيرانهم من الشباب الآخرين وولاة أمورهم لا يحرصون ولا يرغبون المراكز البعيدة.
5-عدم التفريق بين الشاب المستقيم وغيره داخل المركز، وكذلك من سبق له التسجيل ومن يسجل لأول مرة، فالشاب المستقيم - في أغلب الأحيان - قد تعود (ووطًن) نفسه، أما الآخرون فيحتاجون إلى التدرج والتشويق.
ومن المقترحات لتطوير المراكز الصيفية:
1-مشاركة الإعلام بأنواعه (تلفاز- إذاعة- جريدة..) في تغطية برامج المراكز الصيفية أسوة بغيرها من المهرجانات والمسابقات، كأن يخصص رسالة تلفزيونية يومية وصفحة يومية عن نشاط مركز من المراكز، والهدف من ذلك أن يكون أولياء الأمور وغيرهم على دراية بما يحدث داخل المراكز وكذلك دحر بعض الكتاب الذين ينالون من المراكز ويشوهون صورتها من خلال كتاباتهم المسمومة!!
2-أن يقوم كل محب للخير في مسجد الحي الذي يقيم فيه والمعلم في مدرسته بانتقاء عدد لا يتجاوز الخمسة من الطلاب الذين يقدرونه ويحترمونه ممن لم يسبق لهم التسجيل في المراكز أو حلقات التحفيظ والتخطيط لإقناعهم وتشويقهم ببرامج المراكز الصيفية والتواصل مع أولياء أمورهم.
3-إقامة المراكز الصيفية على شكل دورات تدريبية، فعلى سبيل المثال إقامة دورة لمدة ثلاثة أيام أو أسبوع عن حفظ القرآن والسنة النبوية ودورة ثانية عن الحاسب الآلي وبرامجه، وثالثة عن الإسعافات الأولية، ورابعة عن الخطابة والمهارات الأخرى وخامسة وسادسة....، ويتخلل ذلك محاضرات وندوات ومسابقات وألعاب رياضية، وبعدها يعطى المتدرب شهادة معتمدة بالبرامج التي تدرب عليها لتحفيزه ووضع الشهادة ضمن سيرته الذاتية لتقديمها عند الحاجة لوظيفة أو غيرها.
4-دعوة أولياء الأمور من المسؤولين المعروفين الذين لهم أبناء في المراكز الصيفية للزيارة والاطلاع على نشاطاتها ليكونوا وسيلة إقناع للآخرين والرد على شبهات المنحرفين الذين يكيدون للمراكز الصيفية وكل عمل يدخل فيه أهل الخير والصلاح.