فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 788

هؤلاء اغتنموا أوقاتهم في طاعة الله فأين أوقاتنا من أوقاتهم وأين سهراتنا من سهراتهم، إننا في سهرتنا نرفع شعار: قتل الوقت. فمنا من يظنون أن أعمارهم تقتل بهذا، نعم إنهم يقتلون ولكنهم يقتلون أنفسهم بقتل وقتهم، ويزعمون أنهم يقتلون أوقاتهم، إنهم يقتلون أعمارهم بالنظر إلى المسلسلات الفاسدة والأفلام الخبيثة الخليعة والمجلات الساقطة، وفي الغيبة والنميمة.

الخطبة الثانية

أما بعد:

ربما يقول قائل: هل تريد منا أن نقضي أوقاتنا في قراءة قرآن وصلاة دون أن نعطي للنفوس حظها من الترويح واللهو المباح؟

لذا نقول: لا حرج في أن يصرف المسلم وقته في اللهو المباح على ألا يتعدى بذلك اللهو على حق الله - تعالى -في العبادة، وعلى حق العين والبدن في الراحة، وعلى حق عملك في الإتقان، فحظ النفس في الترويح أقره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فرسول الله أعلم الناس بنفوس الناس يعلم أن النفس تمل من كثرة الموعظة وكثرة النصيحة، فكان يتخول أصحابه بالموعظة، فعن ابن مسعود قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخولنا بالموعظة خشية السآمة) أي خشية الملل، فهو الذي يعلمنا حظ النفس من اللهو المباح لأنه يكره الحزن والكسل فيقول في دعائه: (( اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وقهر الرجال ) ).

هكذا كان - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يقوم ليله حتى تتفطر قدماه، وكان يبكي من خشية الله حتى تتخضب لحيته بدموعه، وكان الصحابة يقولون عنه: إنه كان يصوم حتى يقولون: إنه لا يفطر، وكان يفطر حتى يقولون: إنه لا يصوم.

هكذا كان - صلى الله عليه وسلم - وكان يضحك وجُل ضحكه التبسم، لا يفعل كما يفعل البعض في ضحكهم حتى ينقلبوا على قفاهم من الضحك بأصوات عالية، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يعلمنا كيف يكون حظ النفس من اللهو المباح، فيقبل على الصبية الصغار، فيروح عنهم فيجمعهم صفًا واحدًا ويقول: (( من قدم إلي فله كذا وكذا ) )، فيهرولون على رسول الله فيقبلهم ويلتزمهم، وهو الذي كان يسابق أم المؤمنين عائشة في بيتها وتسابقه، وهو الذي كان يحملها وهي صغيرة لتنظر إلى لعب الحبشة، فهذا هو اللهو المباح، فكان يضحك ويتبسم ويمزح، ولا يقول إلا حقًا.

روى أحمد أن رجلًا جاء إلى رسول الله فطلب منه أن يحمله فقال: (( إنا حاملوك على ولد ناقة ) )فقال الرجل: وماذا أفعل بولد ناقة؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - متبسمًا: (( وهل تلد الإبل إلا النوق ) ).

ومع ذلك هو الذي حذرنا من إضاعة الوقت، هكذا كان أسلافنا جمعوا بين المحافظة على الوقت وبين اللهو المباح فكانوا في أوقاتهم يعيشون على قول الله - تعالى:قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: 162] .

الوقت وسبل استغلاله ـ الإجازة

عبد المجيد بن عبد العزيز الدهيشي

الخطبة الأولى:

أما بعد: فاتقوا الله الذي خلقكم وسواكم، ومن الخير زادكم، ومن الشر وقاكم، وتذكروا نعمه الغزار التي لا حد لها ولا حصر"وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا" [إبراهيم: 34] ، فجددوا له - سبحانه - الشكر وأكثروا له من الحمد، فهو وحده المستحق لذلك، جل في علاه.

عباد الله، ها نحن الآن نستقبل إجازة صيفية تمتد بضعة أشهر، فيها يرتاح الطلاب من عناء الدراسة وتركن الأسر إلى الهدوء والسكينة بعد نشاط الدراسة والمذاكرة والمتابعة، وغالبًا ما يأخذ أولياء الأمور إجازة من أعمالهم تتوافق مع إجازة الطلاب ليسعد الأب بأولاده ويفرغ لهم من وقته، وربما سافرت الأسرة هنا أو هناك.

والناس في هذه الإجازة بين مستفيد منها رابح وآخر مفرط فيها خاسر، وهكذا حال التجار، فما كل من تعاطى التجارة ربح، عباد الله الرابح في الإجازة من عمرها بالنافع المفيد فاكتسب علمًا أو تعلم حرفة أو أتقن مهنة، أو حفظ آية أو علم حديثًا أو قرأ كتبًا نافعة أو التحق بمركز صيفي يزيده إيمانًا وثقافة ويكسبه مهارة ويملأ وقته بالمفيد، والرابح في إجازته من جعل لأقاربه وذوي رحمه نصيبًا منها، أو ساهم في مشروع خير أو أمد إخوانه وساعدهم فيما يخدم المسلمين ويرفع راية الدين، والرابح في إجازته من أخلص النية لله فيها، فالعادة تنقلب إلى عبادة متى صلحت النية، فهل استحضرنا الإخلاص لله فيما نقضي به إجازاتنا؟ والرابح منا من استغل إجازته في تعليم أهله وأولاده ما ينفعهم واستغل وجوده بينهم، فذكرهم بما يجب وحذرهم مما يجتنب، والأب المثالي هو الذي يهمه صلاح أبنائه وبناته ويستغل كل الإمكانات المتاحة من مراكز صيفية للطلاب ودور نسائية لتحفيظ القرآن الكريم للبنات والأمهات.

أما الخاسرون في الإجازة فكثير، كما يشهد به واقع الكثيرين وكما اعتاد الناس في كل إجازة، فمن أقبل على مشاهدة الحرام والتمتع بالحرام خاسر، ومن تفرغ لاصطياد الفرائس والتغرير بالأبرياء خاسر، ومن سهر ليله كله ونام نهاره فضيع الصلاة خاسر، ومن مضى وقته وانقضت أيامه وانصرمت لياليه وكثرت مجالسه دون ذكر لله - تعالى -خاسر، ففي الحديث الصحيح: (( ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم تِرَة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم ) )والتِرة هي الحسرة والندامة.

وذكر عند النبي رجل فقيل: ما زال نائمًا حتى أصبح ما قام إلى الصلاة فقال: (( بال الشيطان في أذنه ) )البخاري، فهل يرضى أحدنا أن يبول ابنه في أذنه، فضلًا عن عدوه، فضلًا عن الشيطان الرجيم.

وللشيطان مع النوم أحوال عجيبة، فبه يتسلط على العبد إذا أفرط فيه وتجاوز قدر الحاجة، في الصحيحين: (( يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان ) )فهل يعي ذلك من يصبح كل يوم وقد ضيع الصلاة ولم يستهل يومه بذكر ولا صلاة ولا وضوء، أما من سافر سفرًا محرمًا فليخش العقوبة وليتذكر ما بلي به من عصى الله - تعالى -من الأمراض المستعصية،"وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى" [طه: 127] .

عباد الله، الوقت الذي نعيش فيه متمتعين بقوانا وحواسنا، ونرفل في النعيم والأمن والأمان من أجل النعم والمنن، ومن غفل عن وقته سيندم كما يندم الكفار إذا عاينوا النار ووقعوا فيها"وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ـ فيجابون ـ أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ" [فاطر: 26، 37] ، فجعل - سبحانه - التعمير وطول العمر موجبًا للتذكر والاستبصار، وأقام العمر الذي يحياه الإنسان حجة عليه، فالزمن نعمة جلى ومنحة كبرى لا يستفيد منها كل الفائدة إلا الموفقون، كما أشار إلى ذلك قوله: (( نعمتان مغبون فيها كثير من الناس: الصحة والفراغ ) )أخرجه البخاري، نسأل الله - تعالى - بمنه وكرمه أن يرزقنا الحفاظ على أوقاتنا والمبادرة بالأعمال الصالحة قبل تَصرُّم الأعمار وانقضاء الأيام.

أقول قولي هذا...

الخطبة الثانية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت