2 -المنافسة في الطاعات. قال - تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ } .
3 -تنظيم الوقت وأحوج الناس إلى تقسيم الوقت وتنظيمه هم المشغولون من الناس وأصحاب المسؤوليات.
4 -الاستفادة من العمر الثاني. قال - عليه السلام:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم نافع، أو ولد صالح يدعو له".
قال الشاعر:
دقات قلب المرء قائلة له
إن الحياة دقائق وثوانِ
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها
فالذكر للإنسان عمر ثانِ
وإذا كان للوقت كل هذه الأهمية فإن على المسلم واجبات نحو وقته ينبغي أن يدركها وأن ينقلها من دائرة المعرفة إلى الواقع والتنفيذ، فأول ما يجب على المسلم تجاه وقته: المحافظة عليه والاستفادة منه كما يحافظ على ماله بل أكثر من ذلك، يقول الحسن البصري - رحمه الله:"أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم"، ويقول عمر بن عبد العزيز - رحمه الله:"إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما".
وما أجمل ما قاله ابن القيم - رحمه الله:"إن العبد حين استقرت قدمه في هذه الدار فهو مسافر منها إلى ربه، ومدة سفره هي عمره، والأيام والليالي مراحل، فلا يزال يطويها حتى ينتهي السفر ـ ثم قال ـ والناس ينقسمون إلى قسمين: فمنهم من يطوي سفره بما يقربه إلى دار الشقاوة، ومنهم من يقربه إلى دار السلام".
وقال ابن مسعود - رضي الله عنه:"ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزيد فيه عملي".
وصدق الشاعر:
إذا مرّ يوم ولم أقتبس هدى
ولم أستفد علمًا فما ذاك من عمري
وقال الحسن - رحمه الله:"المبادرة.. المبادرة فإنما هي الأنفاس؛ لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله، رحم الله امرأً نظر إلى نفسه، وبكى على ذنوبه، ثم تلا: {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا..} ."
وأخيرًا أذكرك ـ أخيتي ـ بقول القائل:"الدنيا ساعة فاجعلها طاعة، والنفس طماعة فألزمها القناعة".
وأسأل الله أن يرزقني ويرزق كل من قرأ هذه السطور حسن استغلال الأوقات في الطاعات، وتدارك ما فات، والاجتماع في الجنات.
مفهوم أهمية الوقت
أقسم الله - عز وجل - بالوقت (( الزمن ) )في أكثر من موضع في القرآن الكريم مما يؤكد ما للوقت من أهمية عظمى في الإسلام يحاسب عليها الإنسان يوم الحساب، هل ضيعه في أعمال غير مجدية ــ غير نافعة ــ أم استخدمه في الأعمال الصالحة ــ.
وتعتمد فاعلية الرئيس ــ المدير ــ على مدى قدرته على توزيع أعماله على الوقت المتاح له وعدم تضييع ذلك في أعمال غير مجدية ولا تحقق الهدف المطلوب.
المقصود بالوقت:
يعرف الفيروز آبادي (ت 817 هـ) مصطلح الوقت باعتباره: (( المقدار من الدهر ) )ص 208.
وهو بهذا يشير إلى أن الوقت هو الكم المقتطع من الزمن سواء كان هذا الكم قصيرًا أو طويلًا.
وتقسيم الوقت وتوزيعه بما يسمح الاستفادة منه يمثل أحد اهتمامات الإدارة الحديثة المعاصرة وبما يعرف الآن بمفهوم إدارة الوقت، وفي هذا يشير الحميدي (1414 هـ) إلى أن إدارة الوقت تعني:
(( ضبطه وتنظيمه واستثماره فيما يعود بالفائدة على الفرد والمجتمع سواء من ذلك وقت العمل والدراسة الذي يمثل التزامًا بين الفرد وبين الجهة التي يعمل فيها أو المدرسة والجامعة التي يدرس فيها، أو الوقت المتبقي بعد ذلك الوقت الخاص بالفرد ذاته، وكلا النوعين مترابطان: وقت العمل والوقت الحاضر ويؤثر كل منهما على الآخر.
فالاستخدام الأمثل للوقت الخاص يكون ذا تأثير إيجابي معين يعود على وقت العمل بالنسبة للموظف أو صاحب العمل أو الدراسة بالنسبة للطالب، والاستخدام السيئ للوقت الخاص أيضًا سوف يعود سلبيًا على وقت العمل ووقت الدراسة، والفارق بين إدارة الوقت في العمل وإدارة الأوقات الأخرى، أن المدير لوقت العمل تتعدى إدارته لوقته إلى إدارة الآخرين الذين يعملون تحت إشرافه، في حين إدارة الأوقات الأخرى تكون إدارة ذاتية تخص الشخص نفسه وهو المسئول عنه والمتحمل لنتائجها )) ص4.
أدلة من القرآن الكريم على أهمية الوقت:
من هذه الأدلة ما أقسم بها الله - سبحانه وتعالى - بالزمن:
1 ــ فقال - تعالى: (والعصر إن الإنسان لفي خُسر إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) سورة العصر 1 ــ 3 وفي هذه السورة العظيمة أقسم الله - سبحانه وتعالى - بالعصر وهو الدهر والزمن والوقت، وقد ذكر القرطبي (ت 671 هـ) في تفسيره لهذه السورة: (( أي عصر أقسم الله به - عز وجل -، لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدلها، وما فيها من الأدلة على المصانع وجواب القسم إن الإنسان لفي خسر أي غبن ) ))جـ 20 ص 122).
ومن ذلك تتضح أهمية الوقت حيث بيّن الله - سبحانه وتعالى - أن من لم يعمل الصالحات من الأعمال المفروضة عليه فهو في خسران عظيم.
2 ــ قال - تعالى: (أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير) سورة فاطر 37. وقد علق على هذه الآية خلدون الأحدب (1407 هـ) : (( لقد كانت أعماركم التي وهبناكم بين أيديكم تكفي لمن أراد أن يتذكر ويتفكر ويعمل صالحًا ) )ص 25.
ومن هذا المنهج القرآني الكريم يمكن أن نستخلص أهمية الوقت للإنسان المسلم حيث ألقى عليه هذا المنهج مسئولية استغلال الوقت الاستغلال الأمثل الذي يحقق مرضاة الله - تعالى - وفائدة الإنسان، فالوقت عنصر هام يجب على الفرد أن يتنبه إلى الاستفادة منه سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة المسلمة.
أدلة من السنة النبوية الشريفة في أهمية الوقت:
1 ــ عن أبي برزة الأسلمي - رضي الله عنه - قال: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما عمل به؟ وعن ماله من أين أكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه؟ ) )رواه الترمذي (جامع الأصول جـ 10، ص 436) .
2 ــ عن ابن عباس - رضي الله عنه - ما قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ ) )رواه البخاري، (جـ 7، ص 218) .
3 ــ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ) )رواه الحاكم في المستدرك، (جـ 4، ص 306) .
4 ــ عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل ) )مسند الإمام أحمد (جـ 3، ص 191) .
وتؤكد السنة النبوية الشريفة على أهمية أن يتنبه الإنسان على استغلال الوقت في مراحل حياته المختلفة بداية من الصغر وحتى يتقدم به السن، كما تتسع هذه الأهمية لتشمل أهمية استفادة الفرد ليس فقط من وقت العمل بل أيضًا من وقت الفراغ بعد الانتهاء من العمل.
تطبيق مفهوم أهمية الوقت في صدر الإسلام:
ذكر الطبري في ــ الجامع الكبير ــ (ت 310 هـ) : (( عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي: ما يمنعك أن تغرس أرضك؟ فقال له أبي: أنا شيخ كبير أموت غدًا، فقال له عمر: أعزم عليك لتغرسنها، فقال عمارة: فلقد رأيت عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي ) )، (جـ 1، ص 1274) .