فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 788

وما من شك أن الذين يُدركون اغتنام الزمن هم الذين يوفقهم الله - تعالى -لاغتنام ساعات العمر بما يفيد، وإذا غاب شمس ذلك اليوم ولم يستفد منه تندم عله وتحسر، يقول ابن مسعود - رضي الله عنه: ما ندمت على شيء ندمي على يومٍ غرُبت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزِد فيه عملي"ويُروى عن حكيم قولَه"من أمضى من عمره يوما في غيرِ حقٍّ قضاه أو فرض أداه أو حمد حصلّه أو خيرٍ أسسه أو علم اقتبسه فقد عقّ يومه وظلم نفسه"."

العنصر الرابع: أن الوقت إذا لم يُقضَ بالخير قُضي بضده

وهذه مسألة لا يتنازع فيها اثنان، فالنفس إن لم تُشغلها بالخير شغلتك بالشر، ومن الملاَحَظ أن الذين لا يستفيدون من أوقاتهم إنما يُهدرونها فيما يضرهم ولا ينفعهم، والإنسان بطبعه لا يُمكن أن يقْعُد ويستكينَ عن الحركة، لكن إن وجّه تلك الحركة فيما ينفع ويعود عليه بالفائدة عادت عليه وعلى أمته بالخير، وإلا أصبح مرْتعا للشياطين يقلبونه كيف شاءوا، ولذلك قال العلامة المَنَاويِّ - رحمه الله تعالى -"إن الإنسان إذا تعطَّل عن عمل يُشغلُ باطنه في مباح يستعين به على دينه، كان ظاهره فارغا، ولم يبق قلبُه فارغا، بل يعشعش الشيطان ويبيض ويفرخ، فيتوالدُ فيه نفسُه توالُدا أسرع من توالُدِ كلِ حيوان، ومن ثَمّ قيل: الفراغُ للرجل غفلة وللنساء غُلْمة" [إشارة إلى هيجان شهوة النكاح] وهناك قضية لا بد للمسلم أن يعيها وهي:أن تفريط الإنسان في وقته قد لا تعود مغِبتُه على المضيِّعِ وحده، بل ربما شمل غيره بذلك، وهذا حاصل مع الأسف الشديد، فكم هم العاطلون عن أوقاتهم يضيعون الأوقات على أنفسهم وعلى غيرهم.

كيف تقضي المرأة وقتها ( 4 )

سلمان بن يحيى المالكي

العنصر الخامس: كيد الأعداء ومحاولتهم إضاعةَ أوقاتنا.

ففي الوقتِ الذي يحرص أعداؤنا على استثمار أوقاتهم، يخططون لإفسادِ أوقاتنا وتضييعها، وإشغالنا بسفاسفِ أمورٍ ننصرفُ بها عن المهِمِّ النافع لنا، كما جاء ذلك في بروتوكولات حكماء صهيون ومن بينها قولهم"لكي نُبعد الناس عن أن تكتشف بأنفسها أيَّ خطِ عملٍ جديد سنلهيها أيضا بأنواع شتّى من الملاهي والألعاب ومُزجيات الفراغ والمجامع العامة وهلمّ من مجرّى، وسُرعان ما نبدأ الإعلانَ في الصحف داعين الناس إلى الدخول في مبارياتٍ شتى في كل أنواعِ المشروعات كالفنِ والرياضة وما يليها، وبهذه وتلك سيفسد الشعب تدريجيا نعمةَ التفكير للمستقبل بنفسه وسيهتفُ بنا"وهذا لعمر الله واقع، فالناس حينما يشتغلون بسفاسف الأمور ينسون أحيانا أن اشتغالهم بهذه الأشياء إنما هو كيدٌ مخطط لهم في الوقتِ الذي يستثمرُ فيه الأعداء أوقاتَهم ويحرصون كلَ الحرص على استغلال كلِ لحظة من لحظاته، مع أن المسلمين هم أولى وأجدر باستغلال واستثمار هذه الأوقات.

كيف تقضي المرأة وقتها ( 5 )

سلمان بن يحيى المالكي

النقطة الثانية:أحاديثُ عن أهمية الوقت.

وقبل الشروع في هذه النقطة فقد نوّه الله - جل وعلا - في كتابه بأهمية الحفاظ على الوقت، فهو - سبحانه - يقسم تارة بالضحى"والضحى والليل إذا سجى"وتارة بالفجر"والفجر وليال عشر"وأخرى بالليل والنهار"والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى"والله - سبحانه وتعالى - له أن يُقسم بما شاء، لكنه في الوقت نفسه لا يقسم إلا لأمر جليل، وأما سنة المعصوم فهي مليئة بتلك الأحاديث التي تحث على الاهتمام واستشعار أهمية الوقت، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال"إن الله - تعالى -يبُغضُ كلَ جعْظَرِيٍّ [أي الفظ الغليظ المتكبر] جوّاظ، صخابٍ بالأسواق، جيفةٍ بالليل حمارٍ بالنهار، عالمٍ بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة" [رواه بن حبان بإسناد صحيح] وفي هذا الحديث إشارة ودليل على بُغضِ الله - تعالى -لهذه الفئةِ من الناس التي لا ترعى الوقت ولا تستفيد منه، وإنما تتقلب بالليل والنهار دون أن تُحسّ بأهمية هذا الوقت، وعن معاذ - رضي الله عنه - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"ليس يتحسّرُ أهلُُ الجنة على شيء إلا على ساعةٍ مرّت بهم لم يذكروا الله - عز وجل -" [رواه الطبراني وصححه الألباني] فإذا كان هذا تحسُرُ أهلِ الجنة وهم من دخلوها وتنعموا في ظلالها فما بالكم بمن دونهم، وروى البخاري في صحيحه عن بن عباس - رضي الله عنهما - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"نعمتانِ مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ"يقول بنُ بطّال عليه رحمة الله - تعالى -في معنى الحديث"إن الإنسان لا يكونُ فارغا حتى يكونَ مكْسيا صحيحَ البدن، فمن حصلَ له ذلك فليحرص على ألا يُغبن، بأن يترُك شكرَ الله - تعالى -بما أنعم به عليه، ومن شكره امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فمن فرطَ في ذلك فهو المغبون، وأشار النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله كثير من الناس، أن الذي يوفَّقُ لذلك قليل"ويقول بن الجوزي أيضا"قد يكونُ الإنسان صحيحا ولا يكون متفرغا، لشغله بالمعاش، وقد يكون مسْتغنيا لكن لا يكون صحيحا، فإذا اجتمع الصحة والفراغ فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون لأن الدنيا مزرعة الآخرة"وإذا نظرنا حقيقة وجدنا أن المغبونون حقا هم الذين لا يستفيدون من هذه النعم التي وفرها الله - تعالى -لهم فلا يستخدمونها في طاعةِ الله - تعالى -وفيما ينفع أنفسهم ويعود بالنفع على مجتمعهم، وقد وصفهم الغزالي - رحمه الله تعالى -"اعلم أن مثَلَ أهلِ الدنيا في غفلتهم كمثلِ قومٍ ركبوا سفينة، فانتهوا إلى جزيرةٍ مُعْشِبة، فخرجوا لقضاء الحاجة فحذرهم الملاّح [قائد السفينة] من التأخر فيها، وأمرهم أن يقيموا بقدر حاجتهم، وحذرهم أن يُقلِع بالسفينة ويترُكَهم، فرجع بعضُهم وبادروا سريعا، وهؤلاء صادفوا أحسنَ الأمكِنةِ وأوسعِها فاستقروا فيها، والباقون انقسموا فِرَقا، الأولى: استغرقت في النظر إلى أزهار الجزيرة المونقة وأنهارها المطَّرِدة وثمارها الطيبة وجواهرها ومعادنها، ثم استيقظ فبادر إلى السفينة فلقي مكانا دون الأول فنجى في الجملة، الثانية: كالأولى لكنها أكبّت على تلك الجواهرِ والثمار والأزهار، ولم تسمَح نفسُه لتركها، فحمَل منها ما قدِرَ عليه، فتشاغل بجمعه وحمله فوصل إلى السفينة فوجد مكانا أضيقَ من الأولى، ولم تسمح نفسه برمي ما استصْحَبَه فصار مُثْقلا به، ثم لم يلبَث أن ذبُلت الأزهار ويبِست الثمار وهاجت الرياح، فلم يجد بُدّا من إلقاء ما استصحبه حتى نجى بحشاشة نفسه، الثالثة: تولّدت في الغِياظ، وغفَلَت عن وصيةِ الملاح، ثم سمعوا نداءه بالرحيل، فمرت، فوجدت السفينة قد سارت، فبقيت فيما استصحبت في البر حتى هلكت، الرابعة: اشتدت بها الغفلة حتى عن سماع النداء، وسارت السفينةُ فانقسموا فرقا منهم من افترسته السِباع ومنهم من تاه على وجهه حتى هلك ومنهم من مات جوعا، ومنهم من نهشته الحيات...إلى أن قال: فهذا مثل أهل الدنيا في اشتغالِهم بحظوظهم العاجلة، وغفلتهم عن عاقبةِ أمرهم.. ثم ختم مثله بقوله: وما أقبحَ من يزعُم أنه بصير عاقل، وهو يغتر بالأحجار من الذهب والفضة والهشيمِ من الأزهار والثمار، وهو لا يصحبه شيء من ذلك بعد الموت والله المستعان"وهذا والله مثل حي يصور واقعَ كثير من المسلمين الذين يخوضون في هذه الحياةِ الدنيا ويجمعون ما يجمعون وربما لفظوا أنفاسهم ولا زالوا يجمعون دون أن يستفيدوا مما جمعوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت