وهكذا، ظل يلقي نصيحة هنا وحكمة هناك.. حتى عاد أخيرًا من زيارته القصيرة تلك حاملا صورةً تحليليةً دقيقةً لما رآه، تزيدُ مَنْ حَولَهُ معرفةً بأحوالِ شريحة من شرائح الأمة، وبلدٍ من بلادها. وهي صورةٌ تساعدُ مَنْ هو في مثل ذلك الواقع على التأسي والاعتبار، وتساعد من يريد دراسة الواقع على الفهم والإدراك، وتساعد من يريد علاجه على العمل والتخطيط.
وربما يتساءل متسائل بعد ذلك: وما جدوى مثل هذه القضايا الصغيرة الجزئية التي لم ينل حظ الانتباه إليها أصلا غير حفنة لا تمثل شيئا في الأمة، وعلى فترة قصيرة من الزمان؟ وأين هذا من الأعمال والمشاريع السياسية الضخمة ذات التأثير الهائل؟..
إن هذا التساؤل بحد ذاته يحدد طبيعة الإشكالية وحجمها إلى أبعد الدرجات، فهذه الثغرات العديدة في تكويننا الحضاري والثقافي، وإن كانت صغيرةً وجزئية ومتفرقة عند النظر إليها بشكل منفرد، إلا أنها مجتمعة تمثل شرخا أساسيا خطيرا، لم يسمح في الماضي، ولن يسمح في المستقبل، لكل المخلصين والعاملين مهما خلُصت نياتهم وتطاولت جهودهم، من التجاوز الحقيقي إلى مراحل متقدمة في مسيرة تغيير الإنسان العربي و المسلم المؤملة تمهيدًا لتغيير واقعه.. ذلك أن تلك الثغور تمثلُ نَخرًا داخليًا عميقا، يُضعف إلى حدٍ بعيد قوةَ تحمُّل الجسم الاجتماعي وقُدرته على حمل أعباء ومتطلبات عملية التغيير البالغة الوطأة والشديدة التأثير.
ولو أن دوائرَ أوسع من أبناء الأمة تُدرك خطورة مثل هذا التصور. ولو أن شرائحَ أعرض تمتلكُ القدرة على ضبطِ موجات الحماس والاستعجال المنتشرة، والقدرة على التخطيط القائم على فقه الواقع وفقه الأولويات، وتنطلق إلى حمل مسؤولياتها عبر ممارسةٍ - فردية وجماعية - واعيةٍ وشاملةٍ لفرض الوقت، لرأينا جسمًا اجتماعيا يستردُّ عافيته ومناعته الداخلية شيئًا فشيئا، ويبدأ في استجماع قواه وطاقاته المادية والمعنوية الكامنة، ليكتسبَ عبر الزمان أرضيةً من الصلابة والمتانة والحضور، يُمكنُ البناءُ عليها بثقةٍ وفعاليةٍ في مراحلَ تالية من الأيام التي ما يفتأ الله - برحمته وحكمته - يداولها بين الناس...
وفي مثل هذا السياق تأتي ملاحظةُ صاحبنا الأخيرة مُعبِّرةً لتقول: إن أمةً تعرف قيمة العقل والصحة والمال، وتعرف قيمة النظام والتعاون بدل الفوضى والتنافس. وإن أمة يحترم فيها الفرد أخاه، وتمتلك القدرة على ضبط النفس ومغالبة الهوى. وأخيرا، إن أمة تتكلم العربية وتتمكن من الاستمرار في قراءة القرآن..إن أمة كهذه لابد أن تحتفظ - على الأقل - في أعماقها ببذور الخير، و هي بذورٌ لابد لها أن تنمو مع الزمان، وتحتفظ كذلك بخميرة التغيير، وهو تغييرٌ لابد أن يأتي في يوم من الأيام.
ما عنده وقت
الشيخ سعيد آل زعير
الوقت الذي نملكه هو الأربع وعشرون ساعة التي نعيشها يوميا ونؤدي خلالها واجباتنا ومسؤولياتنا المختلفة. ولا يفضل أحدنا الآخر من حيث الزمن الذي يملكه فالجميع يملك أربع وعشرون ساعة نتساوى في ذلك تماما. لكن التفاوت والتفاضل في مقدرتنا على تنظيم تلك الساعات وقضائها فيما يعود علينا بالفائدة.
إننا نحتاج الوقت لنؤدي فرائض الصلاة ولنؤدي العمل ولنقرأ ولنأكل ولنروح عن أنفسنا ولنساعد المحتاج إلى مساعدتنا لأهلنا أو غيرهم، وبدون التنظيم لا نستطيع أداء كل تلك المسؤوليات الكثيرة.
إن لله علينا حقا في هذا الوقت ولأنفسنا فيه حق وللأهل وللأصدقاء والزوار فكيف نستطيع ذلك التنسيق؟
إن مشكلة التنظيم تأتي عندما تتزاحم الأعمال وتكون أكثر من الوقت ويضيق عن الاتساع لها كلها.
وهنا يبرز الفرق جليا وواضحا بين الشخص القادر على تنظيم وقته وبين الشخص الذي يلهث وراء مصالحه دون تنظيم يصيب حينا ويخطئ أحيانا.
وعندما تتزاحم الأعمال ويعجز الوقت عن الاتساع لها جميعا تبرز أهمية الأوقات المهدورة والتي غالبا تضيع منا دون كبير فائدة.
نسمع البعض يشتكي من قلة الوقت، بل إن القليل النادر من لا يدعى ذلك الضيق، وأن - ما عنده وقت - بينما نجده ينام إلى الثامنة صباحا مثلا، وكم بين طلوع الفجر والساعة الثامنة؟ أنها أربع ساعات كاملة يستطيع أن يقضي فيها كثيرا من أعماله. يستطيع الطالب أو الأستاذ أو الكاتب أن ينتج في هذه الفترة الضائعة أكثر مما ينتجه في عدد أكبر من الساعات في وقت آخر، لما تتميز به هذه الفترة من الصفاء الذهني والنشاط الجسمي، والهدوء والسكينة، ومع ذلك نجد الغالبية من الناس تنام هذه الفترة. والسبب في ذلك هو السهر الطويل الذي يحرم الجسم من أخذ حقه من الراحة ليلا فيعتدي على النهار ليأخذ منه بعضه. ولا أدري هل السهر هو سبب الاستيقاظ المتأخر صباحا والاستيقاظ المتأخر صباحا هو سبب السهر! لكن الذي أعرفه أن الذي يستيقظ من الفجر وينشط من أول يومه لا يستطيع السهر. فالحل يبدأ من تنظيم الاستيقاظ وبقية أوقات النهار تترتب بعد ذلك.
إنه حلم أن نجد قرانا ومدننا تعج بالنشاط مع خيوط الصباح الأولى ليقضي الجميع معظم أعمالهم ويستطيعون تناول طعامهم في الساعة الواحدة ليعاودوا النشاط من جديد حتى إذا حل عليهم الليل أخذت الأجسام حقها الطبيعي في الراحة والنوم.
إن هذا الحلم لن يتحقق بتمنيات كاتب والدنيا كلها تسير نحو السهر والنوم بعض النهار. لكن لا حجر علينا أن نحلم ونحاول تحقيق أحلامنا.
إن رجال العمل الجادين في الشرق والغرب ينامون مبكرين ويستيقظون الصباح مبكرين، لأنه لا يتحقق النجاح في العمل إلا بذلك، ولذلك أتت الأوامر الشرعية بالأمر بموافقة طبيعة الإنسان التي فطره الله عليها. إن مخالفة الفطرة بالسهر ليلا والنوم نهارا ضرر في الدنيا والآخرة.. مضر بالنفس والبدن مضر بالإنتاج والمصالح الخاصة والعامة.
وعلاجه يبدأ من الفرد لكنه يتأثر بالمجتمع المحيط به فما أجمل أن تتضافر جهود الأفراد والجماعات والمجتمع كله لتنظيم الأوقات وفق مقتضيات الفطرة والحاجات الحقيقية للإنسان الفرد والأمة كلها.
أهمية الوقت في حياة المسلم
محمد محمود عبد الخالق
أهتم الإسلام بالوقت وقد أقسم الله به في آيات كثيرة فقال الله - تعالى - (والعصر إن الإنسان لفي خسر) ، وقال - تعالى - (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى) ، كما قال الله - تعالى - (والفجر وليال عشر) وغيرها من الآيات التي تبين أهمية الوقت وضرورة اغتنامه في طاعة الله، وهناك أحاديث كثيرة توضح ذلك: فعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن علمه ماذا عمل به؟"، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ"، وعن أنس - رضي الله عنه - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل"
فالآيات والأحاديث تشير إلى أهمية الوقت في حياة المسلم لذلك فلابد من الحفاظ عليه وعدم تضيعه في أعمال قد تجلبي علينا الشر وتبعدنا عن طريق الخير، فالوقت يمضي ولا يعود مرة أخرى.
ولقد طبق مفهوم أهمية الوقت في صدر الإسلام، ومن ذلك: