والذين أفشلوا إعلان دمشق ليسوا فقط الشركاء المباشرين ولكن الولايات المتحدة لعبت دورًا أساسيًا في إجهاض هذه المحاولة العربية لملء الفراغ الاستراتيجي , حتى تحتكر لنفسها مسئولية الأمن في الخليج , وحتى لا يتطور ذلك التكتل الاستراتيجي العربي الذي كان يؤسس له إعلان دمشق ليكون مدخلًا لتوازن استراتيجي يؤثر على بقية القضايا والخطط في الإقليم ككل , وهنا التقت المصلحة الأمريكية مع المصلحة الإسرائيلية الدائمة والمتمثلة في مقاومة أية تحالفات استراتيجية عربية - عربية حتى ولو لم تكن مواجهة إسرائيل من بين أولوياتها , بما أن أي تحسن في الأوضاع الاستراتيجية العربية سيؤثر علي مجريات الصراع العربي - الإسرائيلي، وطرق إدارته وأساليب تسويته لصالح الأطراف العربية .
http://www.islammemo.cc:المصدر
الصيف وملايين الأوقات تحسب في خانات الفراغات
د. علي بن عمر بادحدح
أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة
القلم ليس مرفوعا عن أيام الإجازات:
(الصيف ضيعت اللبن) مثل عربي شهير يضرب لمن ضيع الفرصة، وفوت الغنيمة، وترك المجال الرحب الواسع، ولم يكن له من ذكاء عقله ومن شرف نفسه ومن قوة عمله ما يجعله محصلا لمكاسب دنياه ومدخرا لمآثر أخراه.
مثل يضرب بامرأة تزوجت رجلا شهما كريما، يغدق عليها طعاما وشرابا ولبنا سائغا للشاربين مع حسن معاملة وإجلال وإكرام، لكنها لم تقابل ذلك باعترافها بالنعمة وشكرها لها وانتفاعها منها، وحرصها عليها وقابلت ذلك بإعراض وتضييع، وبجحود وإنكار، فكانت العاقبة أن طلقها ثم تزوجها غيره، لم تجد عنده يدا مبسوطة بالكرم، ولا وجها مشرقا بالسرور، ولا معاملة محفوفة بالإعزاز والإكرام، فتندمت وتحسرت على ما فات عليها وما ضاع منها، لكنها لم تنحو باللائمة على غيرها، وإنما خاطبت نفسها تذكرها تفريطها، وتبين لها سوء تدبيرها، فقالت: (الصيف ضيعت اللبن) ، ومضى مثلا لكل من أضاع الفرصة وفرط في الغنيمة.
وها نحن اليوم نبدأ موسم الصيف، وما أدراك ما موسم الصيف! ملايين الملايين من الأوقات التي تحسب في خانة الفراغات، والتي تصنف فيما يعرف بالعطلة، وهي: (اسم في لفظه ومعناه، واشتقاقه اللغوي مأخوذ من العطالة والعطل، وهو الخلو من الزينة في أصل اللغة، وهو هنا خلو عن العمل الجاد والانتفاع المثمر) ، والاستغلال الهادف للطاقات المختلفة المتنوعة كلها من وقت ممتد، وعقل مفكر، وقوة وصحة وعافية وفرص وأبواب من الخير مشرعة، ثم قد ينتهي الزمان وينقضي الصيف بأيامه وأسابيعه وأشهره وسعته التي ليس فيها كثير من العمل المطلوب المكلف به، وحينئذ تعود مرة أخرى التسويفات..إذا جاء الصيف سأفعل، وإذا كانت الإجازة سأنجز، وإذا تخليت عن بعض الأعباء والمهمات سأفرغ لغيرها، ويمضي الإنسان بذلك دن أن يدرك أن ما يضيعه إنما هو جزء حقيقي مهم من عمره وحياته، وأنه يبدد من رصيده، ويفني من كنوزه ما قد يكون أقل القليل منه موضع ندامة وحسرة شديدة وأكيدة وعظيمة في وقت لا ينفع فيه الندم.
ولعلنا نذكر أمرين مهمين قبل حديثنا عن الصيف:
الأمر الأول: في المنهج الإسلامي الفراغ فرصة للعمل.
ويخطئ من يظن غير ذلك، ويعتقد أن الفراغ فرصة للنوم والكسل، ولعلنا نكتفي بالآية التي نتلوها كثيرا ونسمعها في صلواتنا كثيرا: {فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ربك فارغب (8) } [الشرح: 7 - 8] .
وقبل أن أذكر ما ذكره المفسرون من الصحابة والتابعين وغيرهم ندرك جميعا بمعرفتنا للغة العرب المعنى العام: إذا فرغت وانتهيت وصارت عندك فسحة من الوقت وشيء من الراحة فأي شيء تصنع؟ فانصب، وكلنا يعلم أن النصب هو التعب والمقصود به الجد والعمل الذي يجدد مرة أخرى الإنجاز ويحقق الخير بإذنه - سبحانه وتعالى -.
لنستمع - أيها الإخوة - إلى القلوب المؤمنة والأفهام المسلمة والنفوس الحية والهمم العالية كيف فسرت؟ وكيف فقهت هذه الآيات من كتاب الله - سبحانه وتعالى -..
عن ابن مسعود - رضي الله عنه: (إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل) .
وعن ابن عباس: (إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء) .
وأما الحسن وزيد بن أسلم فروي عنهما قولهما: (إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب إلى عبادة ربك) .
وعن مجاهد إمام التابعين من المفسرين: (إذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عمل آخرتك) .
وعن الجنيد: (إذا فرغت من أمر الخلق فانصب في عبادة الحق) .
هل رأيتم في مجموع هذه الأقوال قولا يقول: إذا فرغت فنم؟ إذا فرغت فاله والعب؟ إذا فرغت فضيع الأوقات وانحر الساعات؟ هل سمعنا شيئا من ذلك؟
والذي نقلته لكم نقلته من نحو ثمانية أو تسعة تفاسير من أمهات كتب التفسير، ولو رجعتم إلى عشرات أخرى غيرها لم تضفروا إلا بمثل هذه المعاني الشريفة العظيمة التي ترجمها القاسمي - المفسر المتأخر المعاصر - ليجعل لها إطارا واسعا ومعنى شاملا حين قال: (إذا فرغت من عمل من أعمالك النافعة لك ولأمتك فانصب إلى عمل وخذ في عمل آخر واتعب فيه؛ فإن الراحة إنما تكون بعد التعب والنصب) .
هذا فقه الإيمان، وهذه دلالة القرآن، وهذه نفوس أسلافنا وأفكارهم وعقولهم وهكذا ينبغي أن نفقه الأسس السليمة لا أن نسمح للمفاهيم المغلوطة أن تروج، فمع آخر يوم من انتهاء الاختبارات تسمع الطلبة والطالبات وهم يتوعدون بالنوم الطويل واللعب الكثير والسهو واللهو والغفلة، ويرون ذلك هو الميدان الصحيح، وهو العمل المطلوب ليس في يوم أو يومين! بل في أشهر معدودات متواليات، وليس هم الذين يقولون ذلك بل أسرهم وآباؤهم وأمهاتهم يوافقونهم في مثل هذا في الجملة، فهم يرون ألا يكلموهم وأن لا يوقظوهم من نومهم وسباتهم، وأن لا يثربوا عليهم في لهوهم وفراغهم وغير ذلك، بل ليس هؤلاء فحسب بل المجتمع في مجمله كأنما يقول لهم ذلك، وكأنما يؤكد لهم أن الرسالة المطلوبة هي مثل هذا اللغو واللهو والفراغ غير المجدي.
وقاعدة أخرى - أيها الأخوة الأحبة - المسؤولية حقيقة كلية في المنهج الإسلامي.
ليست هناك مسؤولية في زمان دون زمان.. لن يكون الحساب يوم القيامة على أيام الدراسة والعمل والقلم مرفوع عن أيام الإجازة أو العطل من قال هذا؟ ومن يتوهم هذا؛ فإنه لاشك على خطر عظيم، والمسؤولية كذلك لا ترتفع عن مكان دون مكان ليست هي في مكة المكرمة أو المدينة، فإذا كان في غيرها أو في خارج هذه البلاد أصبح الأمر آخر، وأصبح التصرف مختلفا وأصبح القول غير القول وغير ذلك ما نعلم كثيرا منه، إنها قضية واضحة كذلك: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا (36) } [الإسراء: 36] .
ليست هناك حدود في الزمان أو المكان تخرج عن دائرة هذه المسؤولية: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (18) } [ق: 18] .
قول منكرة ومنونة؛ لتدل على العموم في سائر الأوقات وفي سائر الأحوال في الرضا والغضب أنت مسؤول عن قولك في العمل والإجازة أنت مسؤول عن فعلك في بلادك وفي خارجها أنت محاسب على أفعالك، والأمر في ذلك يطول والفقه الإيماني يدعو إلى أن يكون المرء المؤمن عاقلا، وأن يعمل مثلما يعمل التاجر، فالتجار - كما نعلم - في مواسمهم يشمرون عن ساعد الجد، ويفتقون العقول عن الأفكار والحيل والأساليب المناسبة لمزيد من الأرباح في هذه المواسم، وتجدهم يزيدون في الأوقات ويغتنمون الفرص في الإقبال وإتاحة الإمكانات والطاقات.. والنبي - صلى الله عليه وسلم - في حديثه المشهور يقول: (اغتنم خمسا قبل خمس)