وله عجائب في حفظه لوقته, ومن ذلك أنه شكى من زيارة البطالين له وإضاعتهم لوقته, ثم قال: «فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء، والواجب انتهابه بفعل الخير، كرهت ذلك وبقيت معهم بين أمرين: إن أنكرت عليهم وقعت وحشة لموضع قطع المألوف، وإن تقبلته منهم ضاع الزمان، فصرت أدافع اللقاء جهدي، فإذا غلبت قصرت في الكلام لأتعجل الفراق، ثم أعددت أعمالا لا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم، لئلا يمضي الزمان فارغا، فجعلت من الاستعداد للقائهم قطع الكاغد وبري الأقلام وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لا بد منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم، لئلا يضيع شيء من وقتي» (12) .
6.الحافظ عبد الغني المقدسي: قال الضياء المقدسي في ترجمته: كان لا يضيع شيئا من زمانه بلا فائدة، فإنه كان يصلي الفجر ويلقن القرآن وربما أقرأ شيئا من الحديث تلقينا، ثم يقوم فيتوضأ ويصلي ثلاث مئة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قبل الظهر، وينام نومة ثم يصلي الظهر، ويشتغل إما بالتسميع أو بالنسخ إلى المغرب،فإن كان صائما أفطر وإلا صلى من المغرب إلى العشاء، ويصلي العشاء وينام إلى نصف الليل أو بعده، ثم قام كأن إنسان يوقظه فيصلي لحظة ثم يتوضأ ويصلي إلى قرب الفجر، ربما توضأ سبع مرات أو ثمانيا في الليل، وقال ما تطيب لي الصلاة إلا ما دامت أعضائي رطبه ثم ينام نومة يسيرة إلى الفجر وهذا دأبه.
7.النووي: كان عمره عندما توفي (45) سنة، استطاع فيها أن يحصل هذه العلوم الجمة، وأن يؤلف تلك الكتب العظيمة التي انتشرت وملأت الأرض شرقا وغربا, فهل أتى هذا من فراغ؟!
قال ابن العطار في ترجمته: «وذكر لي الشيخ أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درسا على المشايخ شرحا وتصحيحا: درسين في الوسيط، ودرسا في المهذب، ودرسا في الجمع بين الصحيحين، ودرسا في صحيح مسلم، ودرسا في اللمع لابن جنى، ودرسا في اصطلاح المنطق لابن السكيت، ودرسا في التصريف، ودرسا في أصول الفقه تارة في اللمع لأبي إسحاق وتارة في المنتخب لفخر الدين، ودرسا في أسماء الرجال، ودرسا في أصول الدين، وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل ووضوح عبارة وضبط لغة، وبارك الله لي في وقتي» .
8.ابن تيمية: يعد الإمام ابن تيمية من أكثر العلماء تأليفا للكتب, وتمتاز كتبه بأنها في الغالب من إنشائه وليست قائمة على النقل فقط كما هو حال كثير من المكثرين.
قال الذهبي: «وما يبعد أن تصنيفه إلى الآن تبلغ خمس مائة مجلد» ، وقال ابن عبد الهادي: «ولا أعلم أحدا من المتقدمين ولا من المتأخرين جمع مثل ما جمع، ولا صنف نحو ما صنف، ولا قريبا من ذلك، مع أن تصانيفه كان يكتبها من حفظه، وكتب كثيرا منها في الحبس وليس عنده ما يحتاج إليه، ويراجعه من الكتب» .
ويلفت العلامة ابن القيم نظرنا إلى سبب كان له أهمية بالغة في المباركة في وقت شيخ الإسلام ابن تيمية:
قال ابن القيم في الوابل الصيب: «الحادية والستون من فوائد الذكر: أنه يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه، وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وإقدامه وكتابته أمرا عجيبا، فكان يكتب في يوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر» .
و قال في موضع آخر: «وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي. أو كلاما قريبا من هذا، وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجماع نفسي وإراحتها، لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر. أو كلاما هذا معناه» .
9.عبد الله بن فائز أبا الخيل _ المتوفى سنة (1251) أحد علماء نجد _ قال ابن حميد في ترجمته: ( وله مدارسة في القرآن العظيم مع جماعة في جميع ليالي السنة، ويقرءون إلى نحو نصف الليل عشرة أجزاء وأكثر، وأعرف مرة أنهم شرعوا من سورة الفرقان بعد العشاء وختموا! وكنت أحظر وأنا ابن عشر مع بعض أقاربي فيبلغني النوم، فإذا فرغوا حملني إلى بيتنا وأنا لا أشعر، وكان مع القراءة يراجع «تفسير البغوي» والبيضاوي كل ليلة رحمه الله تعالى»(13) .
10.سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز: عناية الشيخ ابن باز رحمه الله بالوقت وحفظه له لا يتسع لها هذا الموضع, ولكن أذكر موقفا عجيبا حصل للشيخ في أول حياته عندما كان قاضيا في الخرج, قال صاحب كتاب «ابن باز في الدلم» : «ومن الصفات الخاصة لسماحته حبه للتنزه في البر والبساتين القريبة من البلد،... فذات يوم خرج مع طلابه إلى مكان غربي الدلم، وليس معهم سوى حمار واحد، فبعد جلوسهم وبداية القراءة اسودت السماء بالسحب ثم بدأت الرياح وهطلت الأمطار غزيرة عليهم وهم جلوس، فأخذوا الفراش الذي تحتهم ووضعوه على رؤوسهم، ولكن الشيخ قال لهم: هل نبقى هنا حتى الموت؟! هيا نذهب إلى أقرب مكان، فساروا باتجاه البلد، ولكن الليل مظلم! عندئذ رأوا نارا من بعيد فاتجهوا نحوها، فإذا هم عائلة آل فلان، في مزرعتهم ينتظرون الشيخ ومن معه لعلمهم أنه ذهب إلى البر.... فلما وصل الشيخ ومن معه دخلوا «المتبنة» فلما اطمأن الشيخ والطلاب من المطر والبرد، طلب من تلميذه عبد الرحمن بن جلال أن يقرأ عليهم حزبه من القرآن... ولم يكن لتلك الظروف أن تمنع من ذلك،... ثم ناموا حتى الصباح!».
11.الشيخ العلامة عبد الله ابن جبرين: من ينظر في حياة الشيخ العلامة ابن جبرين - حفظه الله - يرى العجب في شغله لوقته بالعلم ونفع الناس, والأخبار في ذلك كثيرة, لكن سوف أذكر ما ذكره الشيخ في أحد المقابلات معه حول جدولهم اليومي عندما كانوا يطلبون العلم عند المشايخ, قال حفظه الله: «نبدأ بعد الفجر مباشرة في قراءة بعض كتب النحو والفرائض، ثم في الضحى نواصل القراءة لمدة ساعة أو أكثر في بعض الشروح، ثم بقية الضحى نتذاكر ما استفدناه في ذلك اليوم، ثم بعد العصر نستمر في القراءة في كتب أخرى، وهكذا بعد المغرب، أما الحفظ فنخصص له ما بين الظهرين وبعد العشاء، فنتذاكر فيهما الحفظ السابق» (14) ا.هـ
12.قال صاحب كتاب «كيف تحفظ القرآن الكريم» : «ومن أطرف ما سمعت أن مجموعة من السجناء لم يكن معهم مصحف، فكان كل واحد منهم يلقن الجميع ما يحفظه من القرآن، فحفظوا كامل القرآن ماعدا آخر صفحة من سورة الأنفال فلم يجدوا بينهم من يحفظها، فأهمهم الأمر كثيرا، حتى جاء دور واحد منهم للتحقيق، فلما خرج إلى ساحة المحكمة للانتظار كان أهم عمل عنده أن يبحث عمن يحفظ آخر الأنفال، فعثر عليه بين الحاظرين فتلقاها منه همسا، ثم رجع إلى إخوانه بأعظم هدية، فتهافتوا عليه، فلقنهم إياها، فحفظوها لأول مرة مثل الفاتحة!» ا.هـ
وأخيرا:
فهذه وقفات مع حفظ الوقت أردت بها تذكير نفسي وإخواني بأهمية الوقت ووجوب العناية بحفظه واستغلاله على أكمل وجه, وإن كان هذا الموضوع بحاجة إلى بسط أكثر, وأسأل الله عز وجل أن يثبتنا على الحق, وأن يحسن لنا الختام, وأن يبارك لنا في أوقاتنا وأعمارنا, والله تعالى أعلم, وصلى الله وسلم على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب
سامي بن محمد بن جاد الله
توجيهات إلى طالب العلم
طلال بن مشعل الشمري
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ...وبعد: