فهرس الكتاب

الصفحة 512 من 788

وجهت قوانا لبعضنا، وكفينا العدو مؤنتنا، وعلا بعضنا على بعضٍ فيا لها من كارثة مستطيرة، ومصيبة مستشرية حارقة خطيرة، وإني أُذَكِّرُ قومي بحقائق من التاريخ معتبرة، يَتعِضُ بها أصحاب العقول النيرة، والنوايا الصالحة الخيرة، عندما فشى الفساد في بخارى، واستهان الناس بشرعة الله، سلط الله عليهم قوارع أعدمت كل جميل يُذكَر، وانتزعت منهم كل نعمة تُخفى أو تُشهر، مُلأت شوارعهم دماء، ورَمَّت مساكنهم بالأشلاء، فأنطق الله الكُفَار على آثامهم شهداء، فهذا عدو الله جنكيز خان لما دخل بخارى صعد المنبر من يوم الجمعة في موضع الخطيب ولم يبق من أهلها إلا ما يقارب الثلاثمائة ومع أنه كافر بالله قال:"يا قوم فاعلموا أنكم قد ارتكبتم جرائم بشعة، واقترفتم آثامًا كثيرة، ومن جملة تلك الجرائم والآثام ما فعله أمراءكم، فإن سألتموني عمن أكون الذي أخاطبكم؟ وعلى أي دليل أقول هذا الكلام؟: أجبتكم أني سوط الله الذي بعثني إليكم، لأنزل بكم عقابه على جرائم اقترفتموها، وآثامًا ارتكبتموها، ولو لم تستحقوا ما نزل بكم من عذاب لما أرسلني الله إليكم")) انظر تاريخ فاتح العالم 1 / 117 أو يأجوج ومأجوج فتنة الماضي والحاضر والمستقبل لـ د. الشفيع الماحي أحمد

* الحقيقة السادسة:

أمة أوكَلَت حِماها لبعضِ حسناتِها التي تُعد قطرات في مستنقعات سيئاتها، فترى من يقول نحن أحسن من غيرنا، ويُعدِد لك بعض المحاسنِ التي تنبِئك قرائن من سيِئاتِهِم أن أكثرها يعتريها سقم أكل قوامها وثمرها، وقد قال قوم من قبل وتباهوا ببعض عملِهِم الحسن ليكون لهم حمى، فرد القرآن عليهم بأنها لا تمنعهم العذاب قال الله: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وقد سَألت أم المؤمنين زينب - رضي الله عنها - الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقولها: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم إذا كثر الخبث) وأعجبتني هذه الوصية من هذا الخليفة الموفق عمر بن عبد العزيز لبعض عماله عندما قال: فَإِنَّ الذُّنُوبَ أَخْوَفُ عِنْدِي عَلَى النَّاسِ مِنْ مَكِيدَةِ عَدُوِّهِمْ، وَإِنَّمَا نُعَادِي عَدُوَّنَا وَنَسْتَنْصِرُ عَلَيْهِمْ بِمَعْصِيَتِهِمْ، وَلَوْلا ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ لَنَا قُوَّةٌ بِهِمْ، لأنَّ عَدَدَنَا لَيْسَ كَعَدَدِهِمْ، وَلَا قُوَّتُنَا كَقُوَّتِهِمْ، فَإِنْ لا نُنْصَرْ عَلَيْهِمْ بِمَقْتِنَا لا نَغْلِبْهُمْ بِقُوَّتِنَا، ولا تَكُونُنَّ لِعَدَاوَةِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَحْذَرَ مِنْكُمْ لِذُنُوبِكُمْ، وَلا أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْكُمْ لِذُنُوبِكُمْ (وَلا تَقُولُوا أَنَّ عَدُوَّنَا شَرٌّ مِنَّا) ، وَلَنْ يُنْصَرُوا عَلَيْنَا وَإِنْ أَذْنَبْنَا، فَكَمْ مِنْ قَوْمٍ قَدْ سُلِّطَ - أَوْ سُخِطَ - عَلَيْهِمْ بِأَشَرّ مِنْهُمْ لِذُنُوبِهِمْ.. رواه أبو نعيم في الحلية برقم (7502) .

* الحقيقة السابعة:

أمةٌ تسعى للتخلي عن الواجباتِ الشرعيةِ، وذلك باختلاقِ مسبباتٍ منكرة، وأمورٍ في الفطرة مستقذرة إلا من - رحمه الله -، ولكَِ أكبر شاهدٍ من تاريخِنا المعاصرَ مع الأحداثِ الأخيرةِ، وما كان فيها من خطأ، ترى الكثير من أنكر الجهاد برمته ولم يبق أو يذر فكل جهاد في الدنيا هو من شأن من سموهم"الإرهابيون"فتسمع العِواء من كل بلاد العالم، وتطاولت أعناق النفاق بأبواق الأعداء بقولهم ألم نقل لكم؟! ألم نخبركم؟! ولم يستثنى من ذلك أحد حتى في فلسطين، وفي العراق، وأفغانستان، وفي كل الثغور، فلم يَعُدْ هناك مجاهد يحمل للإخلاصِ راية، تلاشت قضية الأمة، ورُفِعَ عنها الواجب، ومسحَ فرض الجهادِ، كل ذلك بسببِ بعضِ المماسكِ، وواللهِ لزوال الدنيا أهون عند الله من طمسِ فرضٍ فرضَه، وما نراه ونسمعه لا شك أبدًا أنه يُجَسِّدُ مدى الغثائية التي تُكوى الأمة بحَرِ اعوجاجها، وفقدان المرجعية التنظيرية إلا في قلة ابتلعتهم الضبابية القاتمة عن مسرح الأحداث يُصارعونها بلمع كلماتٍ تخرجُ إلى الأمةِ مجهدة، وهذا منهجُ أعداءِ المِلةِ قديمًا وحديثًا فيُحَمِلوا خطأ أبناءِ الإسلامِ الإسلام نفسه لينالوا منه لِيَهون عند مريديه، ويقدموا التنازلات عن بعض فرائضِه وواجِبَاتِه، وليس العجيب أن نرى هذا من الأعداءِ، ولكن العجبَ أن نسمَعَه ممن لهج بلُغتِنا، ودان بِمِلتِنَا؛ والقولُ أن نقولَ لهم: كم من الشجبِ والتنديدِ سمعناه منكم على مر عقود من الزمان وكانت ثمرته لا حراك (أسمع جعجعة ولا أرى طحينا) فالنهيق لدينا معلوم، وغايته مفهومة، فلقد علَّمتنا هذه العقود من الزمن أن عِواءكم، وسكوتكم سواء، ولو كان لصرخاتكم ومض صدى لرأينا آثارها في فلسطين قبل أن تحمل بِجِيلِنا الأرحام!! ولو باليناكم لهان علينا ديننا من أيام القوة الكنسية .

* وقفات مع الغثائية:

ماذا جنت أفغانستان من عواطفنا؟ وماذا حصدت فلسطين من مظاهراتنا؟ وماذا نال العراق من صرخاتنا؟ أقول: لا شيء، ومن هنا يتبين لك من نحن! نحن اليوم لا شيء فعواطفنا وصرخاتنا لها فلك تجري فيه وهو فلك من دخله كمن لم يدخله واستثني الثلة.

* خاتمة:

قد يقول قائل أهذه رسالة يأس؟! أقول بل هي صفحة أمل ولكن بعد الخلاص من الغثائية ولأجل تجسيد صورة جلية تفجر الآفاق وضوحًا أسأل هذا السؤال الطويل المُفَقَّر وهو هل هناك استعداد لدى من بيده الأمر أن يتخلص من سخط الله وغضبه ووعدِ عقابه المتمثل في البنوك الربوية؟ الجواب لا.

وهل هناك استعداد لإغلاق القنوات الإباحية؟ الجواب هذا حلم.

وهل هناك استعداد لترك العمالة الغربية؟ الجواب أبدًا.

وهل هناك استعداد لتطبيق الشريعة الإسلامية على مراد الله؟ الجواب محال.

وهل هناك استعداد لإعادة الدول الإسلامية المحتلة؟ الجواب خيال.

وهل هناك استعداد لفتح الحدود لمتطوعي ومريدي الجنة للجهاد في الأرض المحتلة؟ الجواب خيال.

وهل هناك استعداد لحضرِ ومنعِ وقَمعِ كلِ القنوات والمشارب التي تقوم بإفساد الأمة، ونشر النور الرباني دعوة صادقة مدعمة بسطوة السلطة لأجل تربية الأمة وإنقاذ الأجيال من الانسلاخ في سحيق الثقافة الغربية والشرقية التي تجرها إلى سرعة العقاب وشديد العذاب؟ الجواب لا.

إذًا نحن لا نريد طاعة الله نعم لا نريد هذه هي الحقيقة باستثني طائفة على الحق ظاهرة تقاتل عليه، وبالمقابل هناك استعداد لاستقبال كل فساد، ودون أي ممانعة، وعلى جرعات متشكلة، وفي قوالب حضارية، وأحيانًا دينية، فسفينتنا إلى مزيدٍ من الربا، إلى مزيدٍ من العمالة، إلى مزيدٍ العلمنة، إلى مزيدٍ من الإباحية، إلى مزيدٍ القوانين الغربية، إلى مزيدٍ من التبلد، والغثائية والإنحطاطية، والبعد عن الشرعة الربانية، الرسالة النبوية، وأعان الله من يلاطم الأمواج في قلب السفينة فهو بين لطمات الأمواج ولطمات السَّفَّان والرُكبان .

* أمل:

عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول"لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال فينزل عيسى بن مريم - صلى الله عليه وسلم - فيقول أميرهم تعال صل لنا فيقول لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة . رواه مسلم وغيره واللفظ له."

7 /3 / 1425 هـ

زمن الهوان العربي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت