فهرس الكتاب

الصفحة 459 من 788

ثم يحرص صلى الله عليه وسلم على أن يكون هدف المجاهدين، الجهاد في سبيل الله، ولهذا يقول لهم: (اغزوا باسم الله) وليس باسم آخر من القوميات والعصبيات والأموال وغيرها..

ثم حذرهم صلى الله عليه وسلم من المعاصي التي لا يرجى لأهلها نصر على أعدائهم، فينهاهم عن الغلول والغدر والاعتداء على غير المقاتلين، من الأعداء.

ثم يبين لهم منهج غزوهم، ويبين لهم أنهم قد يجتهدون ويخطئون في اجتهادهم، فعليهم ألا ينسبوا اجتهادهم إلى الله تعالى، بل إلى أنفسهم، حتى يعلم غير المسلمين أن الإسلام بريء من خطئهم...

المثال الثاني يتعلق بالدعاة إلى الله:

فقد كان صلى الله عليه وسلم، يوصي أصحابه الذين يبعثهم للدعوة إلى الله، بالتيسير على المدعوين وتبشيرهم بما يسرهم في استجابتهم لهذه الدعوة، وينهاهم عن الأسباب المنفرة للناس عن دعوتهن.

كما في حديث أبي بردة قال: سمعت أبي قال: بعث النبي أبي ومعاذ بن جبل إلى اليمن، فقال: (يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا) [البخاري، برقم (6751) ومسلم، برقم (1733)

كما كان ينبه من أرسله للدعوة إلى الله، أن يستعد للقوم الذين يدعوهم، بمعرفة عقائدهم وثقافتهم، حتى يكون على بصيرة بأمرهم، فيبني خطابه لهم على أساس تلك المعرفة، ويأمره أن يتدرج في دعوتهم فيدعوهم إلى الأهم فالمهم، وأن يرفق بهم فيما يأخذه منهم، ويبتعد عن ظلمهم الذي يعرضه لسخطهم عليه ودعوتهم عليه، وأن دعوة المظلوم مستجابة.

فقد روى ابن عباس رضي الله عنه، أن معاذا رضي الله عنه، قال:"بعثني رسول الله قال:(إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله."

فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة.

فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)" [صحيح مسلم، يرقم (19) ] "

فليع هذا الدروس كل مسلم، وبخاصة طلبة العلم والدعاة إلى الله، الذين يجب أن يهتموا بأنفسهم، بعد أن يصقلهم علماؤهم وأساتذتهم بالعلم والتزكية الربانية، وتوعيتهم بما ينفعهم وما يضرهم، فيحرصوا على حفظ ما تعلموه وفقهه والعمل به، ويتنبهوا لما زودوهم به من نصائح تصون دعوتهم من النكسات، وما أرشدوهم إليه من وسائل تحمي مسيرتهم، من تسلط أعداء دعوتهم عليهم، وعليهم أن يستحضروا مسئوليتهم أمام ربهم، فلا ينتظروا دائما التذكير و الإشراف والمتابعة من قِبَلِ غيرهم لهم [وإن كان التذكير والمتابعة مطلوبة] .

وعليهم كذلك أن يسلكوا مسلك علمائهم وأساتذتهم في صقل غيرهم بالعلم والتزكية الربانية، ليستمر انتشار العلم وتستمر تزكية الأجيال وتقواهم لربهم تعالى، فينقل كل جيل حقائق الإسلام والعمل بها، إلى الجيل الذي يليه، كما نقل جيل الصحابة ذلك إلى جيل التابعين، ونقل جيل التابعين ذلك إلى جيل أتباعهم، وهكذا حتى وصل ذلك إلينا...

شبهة مدفوعة:

قد يقال: ما سبق ظاهر أن الإنسان مسئول عن نفسه، فلا يجزى إلا على ما اكتسبه، من خير أو شر، ولكن بعض الآيات والأحاديث دلت على أنه يحمل أثقالا أخرى مع أثقاله، ويحمل ذنوبا من ذنوب من أضله.

كما قال تعالى: (( وقال الذين كفروا للذين ءامنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون(12) وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون )) (13) [العنكبوت]

وقال تعالى: (( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون ) ) [النحل (25) ]

والجواب أن هؤلاء إنما حملوا ذنوبهم التي باشروها بأنفسهم، وذنوبهم على دعوة غيرهم إلى الكفر بالله ومعصيته، كما سبق قريبا في قول ابن كثير:

"ولا منافاة بين هذا وبين قوله: (( وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ) )وقوله: (( ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ) )فإن الدعاة عليهم إثم ضلالتهم في أنفسهم، وإثم آخر بسبب ما أضلوا، من غير أن ينقص من أوزار أولئك ولا يحمل عنهم شيئا، وهذا من عدل الله ورحمته بعباده"

وكذلك ينتفع المسلم بعمل الخير الذي لا تنقطع فائدته بعد مماته، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله قال: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) [صحيح مسلم، برقم (1631) ] .

فكن يا أخي المؤمن محافظا على عبادة ربك في كل حين، في إيمانك، وفي تعلمك وتعليمك، وفي صلاتك وصيامك وحجك وعمرتك وذكرك، وفي قراءة كتاب ربك، وفي صلاتك على نبيك، وفي دعوتك إلى دينك، وفي أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر، وفي رياضتك البدنية، وفي حلك وترحالك، وفي كل عمل مباح تأتيه أو تدعه، فقط تحتاج إلى أن تنوي بذلك وجه ربك...فاحرص على هذه النية لتكثر حسناتك.

(( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) )

(( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين(162) لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين )) (163) [الأنعام]

كتبه

د . عبد الله قادري الأهدل

رب همة أحيت أمة بإذن الله

خباب بن مروان الحمد

لله درُّ المتنبي حين قال في ميميته الرائعة مادحًا الباحثين عن المتاعب بلا ملل ولا سأم:

عجبت لمن له حد وقد وينبو نَبْوة القضم الكهام

ومن يجد الطريق إلى المعالي فلا يذر المطي بلا سنام

ولم أر في عيوب الناس عيبًا كنقص القادرين على التمام

يرتسم في هذه الأيام على وجوه الكثير من أبناء المسلمين حالةٌ مرعبة من الحزن والكآبة، ويسري في نفوسهم دخان الهزيمةَ والوهن؛ وذلك لما يرونه أو يسمعونه في وسائل الإعلام العالمية بشتى أنواعها، عن صور لمآسي المسلمين في أصقاع المعمورة؛ فمنهم المقتول قتلًا لا يحتمل المسلم أن يراه، ومنهم الذي سجن في صورة تأبى النفس البشرية أن تراها لحيوان فضلًا عن أن تراها لإنسان له شعوره وأحاسيسه، ومنهم تلك الثكلى التي فقدت زوجها وأبناءها تحت البيت الذي هدمته أسلحة الدمار التي لا ترحم، وتلك المنكوبة تبكي وتتأوهولا نصير!!!

صور تتعدد، ومآسٍ تتكرر، اعتادت العين على رؤيتها، والأذن على سماعها.

في ظل تلك الأحداث المفجعة، والأزمات الموجعة، وفي أزمة الصراع العالمي بين الإسلام والكفر، وفي عصر الانقسامات والحزبيات، وفي زمن اليأس والقنوط الذي خيم بكلكله على قلوب كثير من المسلمين، وأطبق على أفئدتهم..في ذلك كله... ألا يجدر أن تتحدث الأقلام عن أهمية بروز القائد الذي يصنع الأجيال، ويربي الأبطال، ويبرز المواهب، ويصقل النفوس فيربيها على الإيمان والجهاد، ويعيد إكسير الحياة العزيزة إلى قلوب حطمتها أمم الكفر، وأذاقتها مر الويلات.

القائد الذي تنبع أفعاله وأقواله من الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، ويحكم الناس بلا إله إلا الله؛ فهي شريعة كاملة ومنهج حياة.

القائد الذي يمسك بزمام المبادرة لنصرة الإسلام، ويتحدث أمام العالم أجمع بأن المسلمين هم الأحق بالصدارة والريادة على جميع الأمم.

القائد الذي يزأر لصرخات المنكوبين، ويستعلي على علو الطغاة والكافرين، وتستروح النفوس لسماع كلماته، وجميل عباراته في إغاظة أعداء الدين.

ذلك القائد الذي يبدأ مفعوله من همة تحاكي القمة، وعزيمة تصنع الإباء، وجرأة بحكمة يسطرها التأريخ.

إنه أمل لأمة تحلم به منذ زمن بعيد، ويا له من أمل!

أمل إليه هفت قلوب الناس في الزمن البعيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت