أما آن للغافلين أن يعرفرا عدوهم من صديقهم؟ أما آن لهم أن يتركوا فرصة للشعوب كي تئن من الألم؟ أما آن لهؤلاء أن يأذنوا لشعوبهم أن تعي وأن تقرأ وأن تفهم حتى تكون مواقف الجميع سليمة؟ وأن تشارك الأمة في تحديد عدوها من صديقها ولا تتراجع كل يوم الى الخلف حتى تصبح في حال لا تملك فيه مخالفة أي قرار صهيوني في داخل بلدانها!!
أبعد الله ذلك اليوم.
مظاهر الغربة في زماننا اليوم
وهي كثيرة ومتنوعة، حتى إنَّها لتكاد تشمل جوانب الدين كله، ولكن يمكن إجمال أهم مظاهر الغربة في الأزمنة الحاضرة اليوم فيما يلي:
ا- غربة في العقيدة، فلا يوجد من هو متمسكٌ بعقيدة السلف من جميع جوانبها إلاَّ القليل من الناس؛ حيث تنتشر الخرافة والشر كيات والبدع في أكثر بلدان المسلمين.
2-غربة في تطبيق الشريعة والتحاكم إليها، فلا يحكم اليوم في أكثر بلدان المسلمين إلاَّ بأحكام الإفرنج الكافرة.
3-غربة في الالتزام بأحكام الإسلام، سواءً ما كان منها بين العبد وربه، أو بين العبد وبين الخلق؛ فلا يوجد الملتزم بها إلاَّ القليل.
4-غربة في السلوك والأخلاق الفاضلة، وتزامن ذلك مع انفتاح الدنيا وكثرة الشهوات.
5-غربة أهل الحق ودعاة الإسلام، وتسلط الأعداء عليهم، وإيذاؤهم لهم بأشد أنواع الأذى والنكال.
6-غربة في عقيدة الولاء والبراء؛ حيث مُيِعت هذه العقيدة عند كثيرٍ من الناس، وأصبح ولاءُ أكثرهم وحبهم وبغضهم للدنيا فحسب.
7-غربة في أهل العلم، حيث قلَّ أهل العلم الشرعي الصحيح، وانتشر الجهل وكثرت الشبهات.
مظاهر الفتنة في أزمنة الغربة:
إنَّ من أشدِّ ما يخشى على أهل الإسلام في أزمنة الغربة أربعة مظاهر من الفتن يمكن إجمالها فيما يلي:
1-الفتنة التي تنشأ من الوقوع في الشبهات ، والتأثر بأهلها الذين هم الأكثرية في عصور الغربة، مما يحصل معه السقوط في فتن الشبهات، سواءً ما يتعلق منها بالعقائد أو الأعمال أو المخالفات الشرعية الأخرى، وتسويغ ذلك بشبهةٍ شرعية تبرز عادةً في غيبة الحق وفشوا الجهل.
2-الفتنة التي تنشأ من الوقوع في الشهوات، التي تطم وتنتشر عادةً في عصور الغربة وقلة أهل الحق، وانفتاح الدنيا بزخرفها على الناس؛ فلا يكاد يثبت ويستقيم على أمر الله- عز وجل- مع كل هذه الضغوط إلاَّ القليل الذين يعتصمون بالله، ويقومون بأمره، ويدعون إلى سبيله، أما الكثرة الكاثرة الذين ضعف صبرهم، فتراهم يتنازلون عن دينهم شيئًا فشيئًا أمام مظاهر الغربة الفاتنة، سواءً كان ذلك التنازل في العقيدة أو السلوك أو التزام الأحكام.
3-فتنة اليأسِ والقنوط من ظهور الحق وانتصاره ، أمام تكالب الأعداء وتمكنهم، وتسلطهم على أهل الخير بالأذى والابتلاء، مما قد يؤدي ببعض أهل الغربة إلى اليأس وترك الدعوة، حين يرى إقبال الدنيا على المبطلين، ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين، تهتف لهم الدنيا وتصفق لهم الجماهير، وتتحطم في طريقهم العوائق، وتصاغ لهم الأمجاد، وتصفو لهم الحياة، وهو مهملٌ منكر لا يحس به أحد، ولا يحامي عنه أحد، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلاَّ (القليلون من أمثاله، الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئًا، فإذا طال الأمد وأبطأ نصر الله، كانت الفتنة أشد وأقسى، وكان الابتلاءُ أشد وأعنف، ولم يثبت إلاَّ من عصم الله) ( [1] ) .
وإنَّ فتنة اليأس والإحباط وترك الدعوة إلى الله- عز وجل- في عصور الغربة، لا تقف عند حد؛ بل قد تؤدي بصاحبها- والعياذ بالله- إلى الضعف، والنقص في دينه شيئًا فشيئًا أمام فتن الشبهات والشهوات؛ ذلك لأنَّ أيام الغربة أيامُ فتنٍ وإغراءات، وفشوِّ منكراتٍ، وظهورٍ وتمكين لأهل الباطل والفساد، فإن لم يكن للمسلم فئة صالحة- ولو كانت قليلة- يأوي إليها، ويدعو معها إلى الله- عز وجل- حسب الوسع والطاقة، فإنَّهُ لا بد وأن يتأثر بالفساد وأهله، إلاَّ من رحم الله- عز وجل- ومن غير المقبول عقلًا وشرعًا وحسًا، أن يبقى المُسلمُ محافظًا على دينهِ أمام الغربة، وهو تاركٌ للدعوة بعيد عن أهلها، فإمَّا أن يؤثر أو يتأثر.
نعم! يمكن أن يترك المسلم الدعوة ويبقى محافظًا على دينه في حالة الاعتزال التام عن الناس، في شعفٍ من الجبال والأدغال، هذا متيسرًا في هذا الزمان، ثم لو كان ذلك ممكنًا: فمن ذا الذي يدعو إلى الله- عز وجل- ويواجهُ الفساد، وعلى أيةِ حالٍ فالعزلةُ الشرعية لها أحكامها وضوابطها، والتي سنأتي عليها إن شاء الله تعالى في مبحثِ (سبل النجاة من الفتن) .
إذن: فلن ينجو من فتنةِ الغربة في أيِّ زمانٍ أو مكان إلاَّ أحدُ رجلين:
-إما مجاهدٌ في سبيل الله- عز وجل- داعٍ إلى الخير، آمرٍ بالمعروف وناهٍ عن المنكر.
-أو رجل معتزل عن الناس في مكانٍ من الأرض يعبد ربه، ولا يخالط الناس.
وما سواهما فهو على شفا هلكة، ولعلَّ هذا مما يُفهم من الحديث الذي رواهُ أبو هريرة- رضي الله عنه- أنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ("مِن خيرِ معاش الناس لهم:رجل ممسكٌ عنان فرسه في سبيل الله يطيرُ على متنه، كلما سمع هيعةً أو فزعةً، طار عليه يبتغي القتل والموت مظانه، أو رجل في غنيمة في رأس شعفةٍ من هذه الشعف، أو بطن وادٍ من هذه الأودية؛ يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلاَّ في خير) [2] ."
4-فتنة العجلة وقلة الصبر على الأذى في الغربة ، ممَّا يؤدي ببعض من يقاسي ضغوطها إلى التسرعِ والاصطدام مع أهل الفساد، دون مراعاةٍ للمصالح والمفاسد؛ فينشأ من جراءِ ذلك فتنةٌ أشد، وفسادٌ أكبر على أهل الغربة.
1 في ظلال القرآن 5/ 2719، 0 272 (باختصار) .
[2] مسلم في الإمارة (3/ 3. د 1، 4 0 5 1) (1889) .
آراء معاصرة عن تغير الأحكام بتغير الزمان (1/3)
د. بسطامي محمد خير*
مقدمة
لا يشك مسلم في صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان ، وحيويته لمعالجة مشكلات كل عصر وقطر . ولقد كان من آثار الصحوة الإسلامية المعاصرة ، السعي الجاد لتجديد الفقه وبعث الاجتهاد ، ليقدم الحلول لمشكلات العصر الحاضر ، ومواجهة التطور والتغير الذي حدث في كثير من نواحي الحياة ونظمها . ومن القواعد الهامة التي شاعت عند كثير من المعاصرين ، دليلا على قابلية الإسلام لاستيعاب التطور ، قاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان . وهي قاعدة هامة صاغها الفقهاء قبل العصر الحاضر وتناولها عدد منهم بالشرح والتوضيح . ولكن من يتأمل في استعمالات المعاصرين لها ، يجد اضطرابا في فهمها وخلطا في ضبطها ، بين موسع ومضيق لدائرة الأحكام التي تتغير بتغير الظروف والعصور .
وتسعى هذه الورقة لإلقاء الضوء على هذه القاعدة ، وبحث معناها وتحقيق محتواها ، وتحرير فهم الأولين لها ، وعرض أراء المعاصرين عنها ، للخلوص من ذلك كله إلى تعريف دقيق لها ، يعين في تحديد تأثير اختلاف الزمان والمكان في تغير الأحكام ، والإجابة على السؤال الهام ما الثابت والمتغير من الإسلام .
تحرير القاعدة