قرر كثير من الفقهاء قديما وحديثا قاعدة تغير الأحكام تبعا لتغير الأحوال والظروف والأوضاع والعادات ، منهم على سبيل المثال ابن القيم والشوكانى ومصطفى الزرقاء والقرضاوي . ولقد عقد الإمام ابن القيم لها فصلا قيما في كتابه"إعلام الموقعين"واستدل عليها ونصرها أتم نصر ، ومثل لها بأمثلة كثيرة . ومما استدل به الشيخ القرضاوي [1] على هذه القاعدة من القرآن قول الله تعالى: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال، إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون) (الأنفال: 65) ، ثم قال: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله، والله مع الصابرين) . (الأنفال: 66) . فقد قال بعض المفسرين أن هذا نسخ ، ولكن نقل القرطبي وغيره أن هذا تخفيف وليس بنسخ [2] ، فالآية الأولي حكم في حالة القوة والثانية حكم آخر في حالة الضعف . ومن السنة استدل على قاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان الأحاديث الصحيحة في ادخار لحوم الأضاحي من مثل ما رواه مسلم [3] عن عائشة قالت: دف ناس من أهل البادية حضرة الأضحى في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ادخروا لثلاث وتصدقوا بما بقى فلما كان بعد ذلك قيل يا رسول الله لقد كان الناس ينتفعون من ضحاياهم فقال: (إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت فكلوا وتصدقوا وادخروا) . فالنهي عن الادخار كان في وقت الحاجة وجاءت الرخصة بزوال هذه الحاجة ، ولهذا يقول القرطبي: لو قدم على أهل بلدة ناس محتاجون في زمان الأضحى ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا لتعين عليهم ألا يدخروها فوق ثلاث كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم [4] .
والظاهر أن هذه الأدلة من القرآن والسنة مجرد أمثلة للاستدلال على هذه القاعدة الهامة ، وإلا فإن هناك شواهد كثيرة لأحكام ثابتة بالقرآن والسنة قد بينت النصوص نفسها الأحوال التى تتغير فيها . والواضح أنه ليس هناك اشكال في ثبوت القاعدة لكن قد أشكل بعض المعاصرين فهمها وتطبيقها و تعيين ما الثابت من الأحكام وما المتغير . فمن المعروف أن أحكام الشريعة تنقسم إلي قسمين رئيسيين: أحكام مصدرها نصوص القرآن والسنة مباشرة ، وأحكام مصدرها الاجتهاد دون أن تستند مباشرة علي النصوص مثل أن تكون مبنية علي مصلحة سكتت عنها النصوص أو عرف أو عادة لم ينشئها نص شرعي .
ولا يختلف اثنان أن الأحكام في كلا القسمين إنما ترمي إلي تحقيق مصالح الناس ومراعاة منافعهم . ومما لا ريب فيه أن بعض هذه المصالح والمنافع يتبدل ويتغير بتغير الزمان أو المكان ، أو لأي عامل من العوامل التي تؤثر في تغير المصالح.
ففي القسم الثاني من الأحكام الذي لم يكن مصدره النص مباشرة ، لم يجد عامة الفقهاء صعوبة تذكر في تقرير أن المصلحة التي لم يأت بها نص أصلا يمكن أن تتغير وتصبح في حين من الأحيان مفسدة ، أو أن العادة والعرف الذي لم يتكون نتيجة نص شرعي أصلا ، يمكن أن يتبدل ويتغير ، وحينئذ قرروا بلا تحفظ أن الأحكام في هذا القسم تتغير بتغير الزمان ، لأن الأصل الذي تبني عليه أصل متغير ، وتغيره سواء كان مصلحة أو عرفا متصور عقلا وواقع ملموس .
أما القسم الثاني من الأحكام وهي الأحكام التي تقررها النصوص مباشرة فكل أحد يقر أن النص مقصود منه تحقيق المصلحة للناس ومقصود منه منفعتهم ، فغاية النص وهدفه وحكمته هي المصلحة . حينئذ لم يستطع ذهن عامة الفقهاء أن يتصور أن هذه المصلحة التي يثبتها النص يمكن أن تتغير وتصبح في زمن من الأزمان مفسدة . ذلك أن من المتفق عليه أن المصلحة ليست تابعة للهوي أو المزاج الشخصي ، وأن المصالح التي تقررها النصوص هي المصالح حقيقة . وأن من التناقض الواضح أن يقال أن مصلحة ما عارضت النص . فالنص هو عدل كله ورحمة كله وحكمة كله ومصلحة كله ، فأي مصلحة تلك التي تعارض النص ، إلا إذا كانت نابعة من هوي أو مصدرها مزاج سقيم . حينئذ قرر عامة الفقهاء أن الحكم الذي مصدره النص حكم ثابت إلي يوم الدين لا يتغير بتغير الزمان .
يقول الإمام ابن حزم مؤكدا هذه الحقيقة:
( إذا ورد النص من القرآن أو السنة الثابتة في أمر ما علي حكم ما .. فصح أنه لا معني لتبدل الزمان ولا لتبدل المكان ولا لتغير الأحوال ، وأن ما ثبت فهو ثابت أبدا ، في كل زمان وفي كل مكان وعلي كل حال ، حتى يأتي نص ينقله عن حكمه في زمان آخر أو مكان آخر أو حال أخرى) [5] .
وعلي هذا فإن القاعدة الفقهية ( لا ينكر تغير الأحكام بتدل الزمان ) قد وضعها الفقهاء للقسم الثاني من الأحكام ، وهي الأحكام التي لا تستند مباشرة علي نص شرعي ، بل مصدرها عرف أو مصلحة سكتت عنها النصوص . وهذه القاعدة هي إحدى قواعد المجلة وقررتها المادة 39، وقد جاء شرح هذه القاعدة بقصرها علي الأحكام التي لم تستنبط من النصوص [6] ، وعلي هذا استقر فهم الفقهاء .
يقول ابن القيم: (الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها ، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة ولا اجتهاد الأئمة ، كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك ، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه . والنوع الثاني ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالا كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة .) [7]
ويقول الدكتور مصطفي الزرقاء من المعاصرين في بحثه لهذا الموضوع:
( من المقرر في فقه الشريعة أن لتغير الأوضاع والأحوال الزمنية تأثيرا كبيرا في كثير من الأحكام الشرعية الاجتهادية ، وعلي هذا الأساس أسست القاعدة الفقهية القائلة لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان ) وقد اتفقت كلمة فقهاء المذاهب علي أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان واختلاف الناس هي الأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحيه وهي المعنية بالقاعدة الآنفة الذكر ، أما الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية فهذه لا تتبدل بتبدل الأزمان بل هي الأصول التي جاءت بها الشريعة لإصلاح الأزمان والأجيال ) [8] .
أثر العرف في تغير الأحكام:
ويزيد الإمام الشاطبي أحد علماء أصول الفقه المتمكنين مسألة تأثير العرف في تغير الأحكام شرحا وتوضيحا ، فيبين أن العادات والأعراف المتبدلة هي الأعراف التي لم تنشئها الشريعة أصلا ، ولم تتعرض لها إطلاقا لا بمدح ولا ذم ، إنما أنشأاها الناس بأنفسهم نتيجة العلاقات الاجتماعية بينهم . فهذه هي التي يؤثر تغيرها في أحكامها الشرعية فيتغير حكمها تبعا لتغيرها . وضرب بعض الأمثلة علي ذلك منها علي سبيل المثال العبارات التي يكون لها تأثير في إنشاء أو إنهاء عقود المعاملات المالية ، مثل البيع أو ألفاظ الطلاق ، فهذه يراعي فيها العبارات التي يعتادها الناس والاصطلاحات التي يستعملونها في كل عصر . ومن الأمثلة أيضا للعوائد التي تتغير ويكون لها تأثير العادات الخاصة بالزواج مثلا ، فهذه قد تختلف من عصر إلي عصر ، أو من بلد إلي بلد ، فإذا كانت العادة مثلا أن يدفع المهر كاملا قبل الزواج ، أو الهدايا التي تدفع للعروس تكون من ضمن المهر ، فلهذه العادات تأثير في الأحكام الشرعية .