وقال:"قبل أيام تم الإعلان عن بدء تنفيذ القسم الثاني من مشروع جبل أبو غنيم من خلال بناء 6500 وحدة سكنية في المرحلة الأولى ومن ثم بناء حوالي 17 ألف وحدة سكنية في المرحلة النهائية."
غياب الأيديولوجية في زمن الاستضعاف
ربيع الحافظ
طال الأمد على آخر تحوُّل أيديولوجي كبير يشهده العالم؛ فانقلاب شعوب أوروبا وآسيا في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين على نظم سياسية مزمنة تحت طائل العامل المعاشي والظلم أو الاستعلاء
كانت البؤر السياسية العالية الرئيسية في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين في حالة من عدم استقرار السياسي، والشيخوخة، وكانت المناخات السياسية تنذر بأن تحولات كبرى قد أزف أوانها؛ فالأحوال المعاشية المتردية في روسيا القيصرية في مقابل الفكر الشيوعي الوليد يومئذ، وتراجعات الدولة العثمانية المتعَبة أصلًا في حروب البلقان، ثم تحالفها الهش مع ألمانيا ضد بريطانيا وفرنسا في أوروبا، ووصول النازية إلى ألمانيا، والتخلخل السياسي في منطقة نفوذ الإمبراطورية اليابانية في جنوب شرق آسيا، ثم أمريكا التي لم تكن قد حزمت أمرها بعدُ حول علاقتها مع العالم الخارجي، هذه كلها كانت إرهاصات لتحول كبيرٍ مّا سيكتنف العالم.
عدم توافق السياسي والأيديولوجي السائد، والتنافس الاقتصادي أدخلا العالم طورًا من التوتر قاد إلى حربين عالميتين، كان من تداعياتهما قيام إميراطوريات جديدة، منها ما جسَّد فكرًا آنيًا عابرًا كالشيوعية والنازية، ومنها ما ورث حضارات قائمة كأمريكا بالنسبة لأوروبا.
كما كان من تداعيات الحربين احتجاب نظم سياسية لحضارات كبرى، في طليعتها النظام السياسي للحضارة العربية الإسلامية، الذي اختفى من الخارطة السياسية بشكل كامل وللمرة الأولى منذ خروجه على العالم كلاعب سياسي رئيسي قبل أربعة عشر قرنًا، تاركًا وراءه رقعة هائلة من الجغرافية السياسية المكشوفة دون غطاء سياسي ذاتي. فقد كانت الحقبة العثمانية الختامية أقرب للحراسة العسكرية لرقعة شعوب الحضارة العربية الإسلامية، وأفضى انتهاؤها إلى انكشاف هذه الرقعة على الأصعدة جميعها؛ الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها.
من جهة ثانية؛ فقد طال الأمد على آخر دور طليعي للعرب في النظم السياسية التي استوعبت الحضارة العربية الإسلامية؛ حيث تعتبر حقبة الخليفة المعتصم ولجوئه إلى الأتراك للحد من النفوذ الفارسي المتنامي في الدولة العباسية منعطفًا وبداية النهاية للطور العربي في النظام السياسي للحضارة العربية الإسلامية. لكن هذا الدور سد مسده ـ أو حد من تداعياته ـ في أحايين متعددة عالمية الحضارة العربية الإسلامية، وتعاقب شعوبها من سلاجقة وأكراد ومماليك ثم أتراك عثمانيين على انتشال نظامها السياسي في مراحل الضعف وتصريف شؤونها؛ حدث ذلك يوم كانت هذه الشعوب أعجمية النسب ولكنها عربية اللسان والثقافة، وسنية المعتقد سياسيًا.
المنطقة تواجه من جديد زلازل سياسية على أعلى الدرجات في مقياس الزلازل، في ظرف يقترن فيه ـ هذه المرة ـ استمرار الغياب السياسي العربي، مع خروج اختياري لتلك الشعوب من المعادلة السياسية للحضارة العربية الإسلامية تحت طائل النزعة القومية التي اجتاحت شعوب الأرض في القرنين الأخيرين، فعادت تلك الشعوب أعجمية النسب واللسان والثقافة. يضاف إلى المشهد التراجع الكبير للدور الفكري العربي الذي كان رديفًا بالغ الأهمية ـ وإنْ من مواقع سياسية خلفية ـ للنظم الحاكمة غير العربية، ووازعًا لكثير من قراراتها السياسية المفصلية في مسار الحضارة.
السيناريو الحاضر يمكن إيجازه: بأن الخطر عاد إلى المنطقة من جديد، وأن الدور السياسي العربي لا زال معطوبًا، والشعوب التي سدت مسد العرب في الماضي هجرت الميدان، وهي ليست بأحسن حال منهم، والحصيلة هي ما بات يطلق عليه «النظام السياسي العربي المنهار» . وقد توغلت أمريكا في جغرافية هذا النظام السياسي الفاقد للمناعة السياسية والثقافية، لإعادة تكوينه وإقامة ما تسميه «الشرق الأوسط الكبير» ، والعراق هو محطتها الأولى فيه.
لا يخفي نزلاء هذه الجغرافيا بدءًا من الأقليات السياسية والدينية والطائفية وانتهاءً بإسرائيل أن سيناريوهات كهذه هي فرص نادرة الحدوث في عمر الأمم لإعادة إحياء مشاريع مؤجلة أو ملغاة أو مستعصية، وقد نُبشت الأراشيف ولم يعد مستهجنًا عند أصحاب المشاريع فتح ملفات علاها الغبار منذ عقود طويلة، ولا يعدّ محرمًا أو عيبًا اللجوء إلى أية وسيلة لبلوغ الغاية.
لم يألُ الظهير الإعلامي لتلك المشاريع جهدًا في وضع الحدث اليومي في المشهد العراقي ضمن سياق لا تخطئه الإمكانيات الفكرية العادية لرجل الشارع العادي، سواء كان هذا الرجل في نيويورك حيث الحرب على الإرهاب، أو في إسرائيل حيث فرحة بلوغ الفرات (الحدود الشرقية لدولة الميعاد) وعبوره إلى بابل حيث منفى الأجداد، أو في «كردستان الجنوبية» المقتطعة من كردستان الكبرى، أو من مناطق المقابر الجماعية التي حفرت أخاديدها «الأقلية السنية» التي «ظاهرت» صدام، أو في المثلث السني الذي ما حمل السلاح وشن المقاومة لولا خسارته لمواقعه السياسية التاريخية.
كل شيء عند نزلاء الجغرافيا «وزوارها» (الأمريكان) يسير وفق سياق.
المشهد العراقي غني بمعطياته وانعطافاته القتالية والوطنية التي يراقبها باهتمام شديد العدو قبل الصديق، وهو مشهد يحدث على مفترق طرق رئيسي لعمالقة الأمم والكتل السياسية التي ترقب بصبر نافد عثرة العملاق الأمريكي المتغطرس في حلبة العراق التي باتت محكًّا سيكرّم فيه العملاق أو يهان.
الأمور مجتمعة (الاحتلال + مشاريع النزلاء + المقاومة بأشكالها المختلفة + الهشاشة السياسية في المنطقة + التنافس السياسي العالمي في المنطقة) تشكل وصفةَ تحوُّل كبير قابل للحدوث جدًا في أحد اتجاهين متعاكسين.
من الواضح جليًا أن السياق الأيديولوجي مؤمّن بشكل جيد لأحد الاتجاهين، لكنه يغيب بشكل أكثر جلاءً عن الاتجاه الآخر. فالأخبار التي تتوالى من العراق عبر قنوات لا يفترض أن تكون مناوئة، هذه الأخبار على أهميتها ومراميها الاستراتيجية لا تتعدى في أحسن الأحوال كونها عرضًا نزيهًا لشريط أخبار لا تقع ضمن سياق، ويمكن وصفها إلى حد كبير بـ «كومة» مفردات؛ منها: المثلث السني، الحوزة الصامتة، أهل السنة الوحيدون من غير قيادة، المقاومة ليس لها ذراع سياسي، لولا طهران لما سقطت بغداد، ولولاها لما سقطت كابول أيضًا، الموساد يصطاد العلماء العراقيين، يهود يبتاعون عقارات في العراق، المقاومة تحارب على جبهتين أمريكية ومحلية، غزو ديموغرافي إيراني للعراق، حرق دور التراث، وغيرها من المفردات التي تثير فضول السامع العادي بشكل كبير لكنها لا تنبهه إلى ما تعنيه مجتمعة.
كان القاسم المشترك في تحولات القرن التاسع عشر والقرن العشرين هو ظهور قادة ملهمين سلبوا لب الشارع السياسي المتعطش للرؤى الثاقبة، وهيجوا المشاعر وأوجدوا القناعات فصنعوا التغيير. بعبارة ثانية: لقد كانت أزمات القرنين الماضيين محضنًا ـ إن لم تكن رحمًا ـ للأيديولوجيات التي قُيض لها من يحملها ويترجمها إلى شعارات تتقبلها عقول الناس.