الحرب بالوكالة ومشاريع ملء الفراغ في العالم العربي
عامر حسين
23رجب 1427هـ الموافق له 17 أغسطس 2006م
الحرب التي وضعت أوزارها بين الكيان الصهيوني والدولة اللبنانية لم تخضها أطرافها بشكل أصيل تعبيرًا عن أنفسهم، وإنما خاضتها أطرافها بالوكالة عن أطراف أخرى خارجية، فالكيان الصهيوني خاض هذه الحرب بالوكالة عن الولايات المتحدة، وبأهداف أمريكية، وأسلحة أمريكية، وغطاء سياسي أمريكي.
وحزب الله خاض هذه الحرب بأجندة إيرانية، ووفق أهداف إيران ومصلحتها الاستراتيجية، وبأسلحة إيرانية، وبغطاء سياسي إيراني.
وهذه الحرب بالوكالة هي امتهان كامل للعالم العربي، وإعلان بأن العرب أصبحوا غير قادرين عن خوض حروبهم بأنفسهم، وأصبحوا غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم، مما جعل الأمر يتطلب استدعاء أطراف أخرى لتقوم بذات الدور الذي فشل العرب فرادى ومجتمعين في القيام به.
حالة الضعف هذه التي يعيشها العالم العربي لا تخفى على أحد، وكانت أبرز تجلياتها في الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق، وإسقاط بغداد عاصمة الخلافة العباسية وحاضرة الحضارة الإسلامية، وهي ليست وليدة اللحظة الراهنة ولا هي من تجليات حرب الخليج الثانية وحصار العراق، وكذلك حصار ليبيا والسودان وسوريا، إنما هذه الحالة موجودة منذ انهيار الخلافة العثمانية التي ظلت تملأ هذا الفراغ، وتدافع عن العالم العربي والإسلامي لفترة زادت عن الخمسة قرون ضد الاستعمار الأوروبي.
في بداية مرحلة الضعف هذه، ومع الحرب العالمية الأولى؛ ظهر وعد بلفور والنوايا الصهيونية الخبيثة في فلسطين، ثم جاء عصر الانتداب، وكان معه وقبله الاحتلال البريطاني الفرنسي للدول العربية، وهكذا انكشف الوطن العربي استراتيجيًا أمام القوى الدولية ذات النفوذ بدءً من العهد الاستعماري وحتى الآن.
وحتى بعد أن حصلت الدول العربية على استقلالها فقد ظل هذا الفراغ موجودًا، وتمثل في الاستقطاب الأمريكي لبعض الدول العربية، والاستقطاب السوفيتي لبعضها الآخر حتى جاءت قارعة أحد 11 سبتمبر 2001 لتتحول أمريكا من التدخل غير المباشر في المنطقة إلى التدخل المباشر والكامل، وممارستها العدوان العسكري، وإزالة نظام سياسي عربي مستقر.
إن عددًا من المحللين العرب يرجع هذه الحالة إلى الكساح الاقتصادي والسياسي والأمني الذي يعيشه العرب، والذي جعلهم مطمعًا لقوى النفوذ الدولي، فحالة التخلف السياسي العربي، وعدم وجود نظام ديمقراطي؛ أدى إلى تكوين حالة خاصة من الاغتراب السياسي نتيجة للتسلط والدكتاتورية التي مارستها الدولة في عالمنا العربي لعقود طويلة.
حلف بغداد وبواكير الأطماع الأمريكية:
وقد حاولت الولايات المتحدة الأمريكية التدخل في المنطقة في خمسينات القرن الماضي بعد حرب السويس بإطلاق الرئيس الأمريكي أيزنهاور استراتيجية 'ملء الفراغ' مرة تحت عنوان 'حلف الدفاع عن الشرق الأوسط'، ومرة أخرى تحت عنوان 'حلف بغداد'، ولكن هذه المحاولات فشلت في ظل وجود الاتحاد السوفيتي، وفي ظل الممانعات العربية القوية التي كانت موجودة في هذه الفترة.
ففي عام 1955 تم تأسيس حلف بغداد على يد بريطانيا، وضم إلى جانب بريطانيا [الدولة المستعمرة للعراق] العراق وتركيا وباكستان، ويهدف هذا الحلف الذي لعب الأمريكيون دورًا كبيرًا في تأسيسه في الكواليس إلى تقوية الدفاع الإقليمي، والحيلولة دون تغلغل الاتحاد السوفيتي إلى منطقة الشرق الأوسط، وقد رفضت كل من سوريا ولبنان والأردن ومصر الانضمام إلى هذا الحلف الذي اصطدم بمعارضة شعبية عربية قوية، وقد مثل هذا الرفض العربي فشلًا ذريعًا للولايات المتحدة الأمريكية، حيث أعطى قوة أكبر للحركة القومية العربية لمجابهة القوى الاستعمارية ومخططاتها في المنطقة، وقد غادر هذا الحلف بغداد بعد أن تولى عبد الكريم قاسم مقاليد الحكم في العراق عام 1959م الذي قرر الانضمام إلى صف سوريا ومصر ولبنان فيما يتعلق بموقفهم من الصراع مع الكيان الصهيوني، وهكذا مات هذا الحلف المشبوه، وفشل في تحقيق أهدافه، وفشلت السياسة الأمريكية في أولى خطواتها للسيطرة على العالم العربي.