فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 788

لقد جرت العادة في أكثر بلادنا الشرقية أن تخصص المرأة فترة بعد العصر لاستقبال صديقاتها أو زيارتهن على اختلاف في طريقة الزيارة أهي دورية منظمة أم عفوية وأيا كانت الحال لا يخلو البيت يومها من إعلان حالة الطوارئ فيه، فاستعدادات فوق العادة تستنزف الجهد وتضيع الوقت وتبعثر المال وتحول يوم الاستقبال إلى مباراة بين الأسر فيما يقدم للضيوف وفي إبراز مظهر البيت ولباس أهله ولو سئلت غالبية النساء عن الهدف من الزيارة، لكان أحسن ما يفصحن به: أنه التلاقي لقتل الوقت والتسلية ودفع السأم والملل عنهن.

ولا أدري هل الوقت إلا عمر الإنسان الذي يسأل عنه؟ ومتى السؤال؟ إنه يوم الفزع الأكبر (يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله. )

قال - صلى الله عليه وسلم - (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عمره فيما أفناه وعن علمه ما عمل به وعن ماله من أين أكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه)

ومن السائل؟ إنه رب العالمين الذي خلق الجن والإنس لعبادته لا للهو والتسلية (لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين) .

فماذا نقول لرب العالمين إذا سئلنا عن الوقت المهدور الذي إن لم يخلو من المحرمات فلا يخلو من لغو الكلام والثرثرة التي ذمها الرسول الكريم بذم صاحبها بقوله (إن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون المتشدقون) .

وهل الوقت للمرأة وحدها؟ أين حق الزوج والأولاد؟ ومتى تؤدي حقوق مجتمعها وأمتها الإسلامية؟.

لمن تترك مهمتها إذا كان همها الخروج من المنزل واللهو الفارغ؟.

وقد تقول إحداهن: أنها أدت واجباتها ظنا منها أن مهمتها محصورة في التنظيف وإرضاء الزوج والإنجاب وإن التفتت إلى تربية من أنجبتهم فقد لا يتعدى اهتمامها إطعامهم وكسوتهم المناسبة ودراستهم المتفوقة

لا يا أختاه، فأنت مربية الأجيال وممولة للمجتمع المسلم ببناته من نساء ورجال.

إن واجبي وواجبك: التربية الرشيدة لأبنائنا وإعدادهم إعدادا إسلاميا يجعلهم قادرين على حمل الأمانة والنهوض بالأمة وبناء المجتمع الفاضل المنشود.

فإن تركت وإياك أبناءنا والتفتنا للتسلية فقد خلفنا أبناء هم الأيتام حقا رغم وجود أبويهم، والسعي للآخرة لا يحرم المرء من لذات الدنيا الطيبة إنما يمد البصر إلى أفاق أعلى فلا يكون المتاع في الأرض هو الهدف والغاية.

أنواع الزيارات:

أولا: زيارات واجبة (زيارة الوالدين إجابة الدعوة الزيارة للتعلم والتعليم صلة الرحم عيادة المريض. )

ثانيا: زيارات مستحبة (التعزية زيارة الأخوات في الله زيارة الجارة ) .

ثالثا: زيارات جائزة (في العيد زيارة أهل الكتاب ) .

رابعا: زيارات محرمة (زيارة داعيات البدع زيارة داعيات الانحلال والأفكار المعادية للإسلام زيارة من عندهن منكرات لا نستطيع تغييرها ) .

خواطر في السياحة .. وفرض الوقت

راشد الحكيم

ليس كالسياحة في أرض الله الواسعة مجالًا لزيادة المعرفة بأحوال الأمة، و الاطلاع على أخلاقها و عاداتها، و رؤية موقعها من ميزان الحضارة و الرقي بمقاييسه الأصيلة، و ليس كمثلها مدخلا ً لممارسة عملية البلاغ المبين بين الناس، و لنقل أمانة العلم و التجربة إلى الآخرين، كل ذلك بشرط أن يتوافر أمر واحد: ذلك هو الفهم.

يسافر الكثيرون من أبناء الأمة و يعودون إلى أوطانهم دونما حصاد من خير أو فكر أو علم أو تجربة، كأنما العقل و البصر و البصيرة و سائر الحواس، وكأنما العلم والخبرة والوعي، وكأنما الأفكار والمبادئ والقيم، وكأنما هموم الأمة وقضاياها الكبرى، كأنما كل ذلك من لوازم أماكن الإقامة فقط، يجمعها البعض في صندوق، و يتركها قبل مغادرته أمانة في بيته، لا يحملها معه لأنها ليست من لوازم السفر و لا من أدوات الترحال..

في حين يحملها البعض ممن امتلك الفهم، فلا تجده في سفره إلا داعيًا إلى خير، آمرًا بمعروف، ناهيًا عن منكر، ناقلًا لخبرة، حاصلًا على تجربة، مراقبًا لظاهرة، و قائمًا على الدوام بفرض الوقت.

و فرض الوقت في تعريفنا يتمثل في انطلاق الإنسان من عُمقِ أفكاره و مبادئه و قيمه في كل ظرف لممارسة عمل يمثل أقصى طاقته في خدمة أمته و قضيته، مستصحبًا في حركته للحكمة و البصيرة و لخصوصية ذلك الظرف من حيث حدوده و احتياجاته، و بحيث ينتج عن ذلك العمل خيرٌ يصب في المجرى الكبير للتغيير، على أن يكون ذلك الخير - مهما كان صغيرا - في تلك اللحظة و في ذلك الظرف غاية الوسع و أقصى المستطاع.

و من هؤلاء أخ كريم كان في زيارةِ عملٍ قصيرة لبلدٍ مشرقيٍ من بلاد الإسلام، نٌحلل من خلال بعض المشاهد والملاحظات التي نَقلَها حالةً نموذجيةً لِمُمارسةٍ متقدمةٍ لفرض الوقت، لا يُمكن إلا أن تنتج عن فهمٍ متقدمٍ أصبح من الواجب أن يُشاع ويشيع بين الناس.

قال صاحبنا: لم يكن صعبًا أن يكتشف المرء حالة الكبت و القهر التي يعيشها الناس.. فحتى في المساجد التي كانت تفتح في أوقات الصلاة، كانت الحفنة من المصلين الكهول تتحاشى الابتسام فضلا عن السلام أو الحديث مع غريبٍ يتفحص البناء و يتأمل الوجوه، و كان ملاحَظًا غيابُ المودة و الطيبة و سلامة الفطرة أو حتى مجرد الشعور بوحدة الانتماء، لقد كان الاستبداد السياسي باختصار ظاهرًا للعيان على خطٍ طويل من ساحة الواقع، يمتد من بوابة المطار إلى مآقي العيون المخطوفة في كل مكان..

و في مثل هذا الظرف فإن فرض الوقت يقتضي أن ينظر الإنسان على الأقل مِنْ حولِهِ متفكرا و متأملا حتى يرى كل أبعاد المشهد الاجتماعي بِغَرض فهمه أولا، وصولًا بعد ذلك إلى التعامل معه بحكمةٍ و اقتدار.

ركب صاحبنا سيارة أجرة، فإذا التزاحمُ و التسابق والتدافع الذي لا تُحترم معه حقوق الآخرين، ولا يُعبأ معه بضوابط السلامة، ولا يُعار الانتباه لنظام المرور، إذا بذلك كله يشكل العرف السائد الذي يجعل الرحلة القصيرة مناسَبةً للتوتر والقلق وشد الأعصاب..

نظر من نافذة السيارة فإذا المشاة يعبرون الشوارع المخصصة للسرعة العالية، ولا يعيرون التفاتا للمنشآت والترتيبات المخصصة لعبورهم المنظم من جسور ومعابر المشاة، لا يبالون بحق السيارات في استخدام الطريق، ولا بأرواحهم تتعرض للخطر المحقق..

تجول في بعض الشوارع و إذا به يضطر المرة تلو الأخرى إلى مغادرة الرصيف والمشي على طرف الشارع مع السيارات، إما ليتجنبَ سيارةً وقفت على الرصيف!! أو أكوامًا من مواد البناء والرمال وُضِعت أمام بيتٍ هو قيد الإنشاء، أو صناديق بضاعة لبائع يعرضها على الرصيف ومحله خالٍ من البضائع، أو فروع وأغصان أشجارٍ من حديقة منزلية ملأت الرصيف ولم يأبه صاحب المنزل برفعها عن طريق الناس..

نظر إلى أزقة المدينة و شوارعها فإذا هي ملأى بالقمامة و النفايات التي يلقيها الناس اتفاقا دون التزام بزمانٍ أو مكان رغم الترتيبات المعقولة التي وضعتها بلدية المدينة..

تأمل البشر صغارًا و كبارًا، رجالًا و نساءً، فإذا بالتدخين شائعا إلى درجةٍ سرطانية في مجتمعٍ لا يكفي دخله الشهري أيامًا معدودات أو يكاد..

أصغى إلى الحوار الدائر في بعض الأماكن العامة فإذا بالجميع يرطنون بِلُغةٍ أجنبيةٍ تركها المستعمر يوم مضى..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت