فهرس الكتاب

الصفحة 447 من 788

حتى المحاريب تبكي وهي جامدة حتى المنابر ترثي وهي عيدان

يا غافلًا وله في الدهر موعظة إن كنت في سنة فالدهر يقظان

وماشيًا مرحًا يلهيه موطنه أبعد حمص تغر المرء أوطان

تلك المصيبة أنست ما تقدمها وما لها مع طول الدهر نسيان

يا راكبين عتاق الخيل ضامرة كأنها في مجال السبق عقبان

وحاملين سيوف الهند مرهفة كأنها في ظلام النقع نيران

وراتعين وراء البحر في دعة لهم بأوطانهم عز وسلطان

أعندكم نبأ من أهل أندلس فقد سرى بحديث القوم ركبان

كم يستغيث بنا المستضعفون وهم قتلى وأسرى فما يهتز إنسان

ماذا التقاطع في الإسلام بينكم وأنتم يا عباد الله إخوان

ألا نفوس أبيات لها همم أما على الخير أنصار وأعوان

يا من لذلة قوم بعد عزهم أحال حالهم كفر وطغيان

بالأمس كانوا ملوكًا في منازلهم واليوم هم في بلاد الكفر عبدان

فلو تراهم حيارى لا دليل لهم عليهم من ثياب الذل ألوان

ولو رأيت بكاهم عند بيعهم لهالك الأمر واستهوتك أحزان

يا رب أم وطفل حيل بينهما كما تفرق أرواح وأبدان

وطفلة مثل حسن الشمس إذ طلعت كأنما هي ياقوت ومرجان

يقودها العلج للمكروه مكرهة والعين باكية والقلب حيران

لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان

انتهت القصيدة الفريدة، ويوجد بأيدي الناس زيادات فيها ذكر غرناطة وبسطة وغيرهما مما أخذ من البلاد بعد موت صالح بن شريف، وما اعتمدته منها نقلته من خط من يوثق به على ما كتبته، ومن له أدنى ذوق علم أن ما يزيدون فيها من الأبيات ليست تقاربها في البلاغة، وغالب ظني أن تلك الزيادة لما أخذت غرناطة وجميع بلاد الأندلس إذ كان أهلها يستنهضون همم الملوك بالمشرق والمغرب، فكأن بعضهم لما أعجبته قصيدة صالح بن شريف زاد فيها تلك الزيادات، وقد بينت ذلك في"أزهار الرياض" (1) فليراجع. (1) أزهار الرياض 1: 47.

تراجم شعراء موقع أدب - (ج 49 / ص 268)

العصر الأندلسي >> أبو البقاء الرندي >> لكل شيء اذا ماتمّ ( رثاء الأندلس )

لكل شيء اذا ماتمّ ( رثاء الأندلس ) رقم القصيدة: 719

لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ

فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ

هي الأمورُ كما شاهدتها دُولٌ

مَن سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ

وهذه الدار لا تُبقي على أحد

ولا يدوم على حالٍ لها شان

يُمزق الدهر حتمًا كل سابغةٍ

إذا نبت مشْرفيّاتٌ وخُرصانُ

وينتضي كلّ سيف للفناء ولوْ

كان ابنَ ذي يزَن والغمدَ غُمدان

أين الملوك ذَوو التيجان من يمنٍ

وأين منهم أكاليلٌ وتيجانُ ؟

وأين ما شاده شدَّادُ في إرمٍ

وأين ما ساسه في الفرس ساسانُ ؟

وأين ما حازه قارون من ذهب

وأين عادٌ وشدادٌ وقحطانُ ؟

أتى على الكُل أمر لا مَرد له

حتى قَضَوا فكأن القوم ما كانوا

وصار ما كان من مُلك ومن مَلِك

كما حكى عن خيال الطّيفِ وسْنانُ

دارَ الزّمانُ على (دارا) وقاتِلِه

وأمَّ كسرى فما آواه إيوانُ

كأنما الصَّعب لم يسْهُل له سببُ

يومًا ولا مَلكَ الدُنيا سُليمانُ

فجائعُ الدهر أنواعٌ مُنوَّعة

وللزمان مسرّاتٌ وأحزانُ

وللحوادث سُلوان يسهلها

وما لما حلّ بالإسلام سُلوانُ

دهى الجزيرة أمرٌ لا عزاءَ له

هوى له أُحدٌ وانهدْ ثهلانُ

أصابها العينُ في الإسلام فارتزأتْ

حتى خَلت منه أقطارٌ وبُلدانُ

فاسأل (بلنسيةً) ما شأنُ (مُرسيةً)

وأينَ (شاطبةٌ) أمْ أينَ (جَيَّانُ)

وأين (قُرطبة) ٌ دارُ العلوم فكم

من عالمٍ قد سما فيها له شانُ

وأين (حْمص) ُ وما تحويه من نزهٍ

ونهرهُا العَذبُ فياضٌ وملآنُ

قواعدٌ كنَّ أركانَ البلاد فما

عسى البقاءُ إذا لم تبقَ أركانُ

تبكي الحنيفيةَ البيضاءُ من ! ;أسفٍ

كما بكى لفراق الإلفِ هيمانُ

على ديار من الإسلام خالية

قد أقفرت ولها بالكفر عُمرانُ

حيث المساجد قد صارت كنائسَ ما

فيهنَّ إلا نواقيسٌ وصُلبانُ

حتى المحاريبُ تبكي وهي جامدةٌ

حتى المنابرُ ترثي وهي عيدانُ

يا غافلًا وله في الدهرِ موعظةٌ

إن كنت في سِنَةٍ فالدهرُ يقظانُ

وماشيًا مرحًا يلهيه موطنهُ

أبعد حمصٍ تَغرُّ المرءَ أوطانُ ؟

تلك المصيبةُ أنستْ ما تقدمها

وما لها مع طولَ الدهرِ نسيانُ

يا راكبين عتاق الخيلِ ضامرةً

كأنها في مجال السبقِ عقبانُ

وحاملين سيُوفَ الهندِ مرهفةُ

كأنها في ظلام النقع نيرانُ

وراتعين وراء البحر في دعةٍ

لهم بأوطانهم عزٌّ وسلطانُ

أعندكم نبأ من أهل أندلسٍ

فقد سرى بحديثِ القومِ رُكبانُ ؟

كم يستغيث بنا المستضعفون وهم

قتلى وأسرى فما يهتز إنسان ؟

ماذا التقاُطع في الإسلام بينكمُ

وأنتمْ يا عبادَ الله إخوانُ ؟

ألا نفوسٌ أبَّاتٌ لها هممٌ

أما على الخيرِ أنصارٌ وأعوانُ

يا من لذلةِ قومٍ بعدَ عزِّهمُ

أحال حالهمْ جورُ وطُغيانُ

بالأمس كانوا ملوكًا في منازلهم

واليومَ هم في بلاد الكفرِّ عُبدانُ

فلو تراهم حيارى لا دليل لهمْ

عليهمُ من ثيابِ الذلِ ألوانُ

ولو رأيتَ بكاهُم عندَ بيعهمُ

لهالكَ الأمرُ واستهوتكَ أحزانُ

يا ربَّ أمّ وطفلٍ حيلَ بينهما

كما تفرقَ أرواحٌ وأبدانُ

وطفلةً مثل حسنِ الشمسِ إذ طلعت

كأنما هي ياقوتٌ ومرجانُ

يقودُها العلجُ للمكروه مكرهةً

والعينُ باكيةُ والقلبُ حيرانُ

لمثل هذا يذوبُ القلبُ من كمدٍ

إن كان في القلبِ إسلامٌ وإيمانُ

إن المستقبل للإسلام

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده وبعد:

فلقد كتب الله عزوجل لهذا الدين العظيم دين الإسلام الرفعة والسناء والمجد والريادة ، فهو الدين الذي ارتضاه ملك الملوك الرب العظيم للبشرية دينا ، وهو الملة السمحاء التي فرق بها عزوجل بين الناس فمنهم مؤمن ومنهم كافر ، وهو الدين الذي لايقبل الله عزوجل ممن لايؤمن به عملا ولاقربة مهما بلغت حجمها ذلك لأن أجل مايتقرب به العباد إلى الباري عزوجل هو تحقيق العبودية له جل وعلا من خلال الإيمان الكامل والتسليم المطلق لهذا الدين والخضوع لجميع أحكامه"إن الدين عند الله الإسلام"،"ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهوفي الآخرة من الخاسرين".

إن ماشهده التأريخ منذ بزوغ فجر هذا الدين العظيم من مؤامرات للقضاء عليه أمر لم يتعرض له أي دين آخر وأي ملة أخرى ويكفي لمعرفة مدى مايتعرض له الإسلام من مكر كبار النظر فيما يتعرض له ديننا في هذا الزمن من محاولات الاجتثاث والإقصاء والتشويه والإبعاد ومع ذلك نرى هذا الدين لايزداد إلا انتشارا وقبولا عند الناس والمعادلة تقول كلما ازداد الكيد لهذا الدين كلما ازداد عدد المقبلين عليه وكيف لايكون كذلك وهو دين الفطرة ، كيف لايكون كذلك وهو الدين الذي فيه الحلول الناجعة لجميع مشكلات البشرية وعللها .

هذا الدين العظيم جميع المنحرفين يكيدون له ، اليهود يكيدون له الكيد تلو الكيد ، النصارى يكيدون له ، الوثنيون يكيدون له ، المنافقون يكيدون له ، الشهوانيون والزنادقة والملاحدة والمبتدعة يكيدون له ومع ذلك فجميع هذه النحل على اختلاف مشاربها تكيد كيدا نهايته إلى الخسران والبوار:

أيطفيء نور الله نفخة فاجر تعالى الذي بالكبرياء تفردا

وقول الله أجل وأبلغ"يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ** هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون"، ويقول جل وعلا:"إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون"،"إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت