فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 788

فلا بد للقائمين على تنظيم المحاضرة أو المحاضر بذاته إن كان الكلام محفوفًا في بيته أو بيت زميل له أو مكتبه عليه أن يزيل كل ما من شأنه أن يشغل المستمع عن حديثه ، ومثالا على ذلك ألا يتحدث في مكان فيه من الزخارف والملفتات ما فيه ، ويتعمد الحديث في بيوت الله ، أو القاعات المخصصة لذلك ، إلا أن يكون الانشغال في قضايا تخص المستمع ، فلا يملك المتحدث في هذا الأمر شيئًا إلا أن يكون المستمع قريبا له فيعالج ما يشغله عما يتحدث فيه إن استطاع .

7ـ مقاطعة المتحدث:

وهذه المقاطعة لها عدة صور كأن يقاطعه المقدم ليعلن إعلانا أو لأي شيء آخر كتنبيه أو تحذير أو ما شابه ، أو بمرور ساقي الماء أمامه ، أو إعطائه قهوة أو شايا أثناء حديثه .

أو حدوث جلبة في قاعة المحاضرة كتوزيع طعام أو شراء أو حدوث صوت مرتفع قريبا من مكان الحديث .

أو وضع مزهرية كبيرة تحجب صورة المتحدث عن المستمع ، أو أنه يجلس في مكان منخفض أو متساو مع المستمعين أو صياح طفل ، أو حديث بين اثنين وغيرها من الأمور التي تقاطع المتحدث وهذه من الأمور التي كان يحرص عليها الإسلام في آدابه في الحديث ، وأيضًا نلحظ حرصه على أن يكون المتحدث في مكان مرتفع كما هي السنة في خطبة الجمعة .

8ـ عدم اختيار الوقت المناسب .

فاختيار الوقت له أكبر الأثر في فهم المستمع فالحديث في منتصف النهار أو أوله ليس كالحديث في بداية الليل أو منتصفه ، وكذلك يتأكد اختيار الوقت المناسب عند حدوث الظروف غير المتوالية للحديث ، كالحديث عن القبر وعذابه في مناسبة الأفراح والأعراس والحديث عن الأفراح في مناسبة الموت والعزاء .

المصدر: كتاب وقفة تربوية .

مفسدات القلب

قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما مفسدات القلب الخمسة فهي التي أشار إليها من كثرة الخلطة، والتمني، والتعلق بغير الله، والشبع، والمنام. فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب.

المفسد الأول: كثرة المخالطة:

فأما ما تؤثره كثرة الخلطة: فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسود، ويوجب له تشتتا وتفرقا وهما وغما، وضعفا، وحملا لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء، وإضاعة مصالحه، والاشثغال عنها بهم وبأمورهم، وتقسم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم. فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة؟

هذا، وكم جلبت خلطة الناس من نقمة، ودفعت من نعمة، وأنزلت من محنة، وعطلت من منحة، وأحلت من رزية، وأوقعت في بلية. وهل آفة الناس إلا الناس؟

وهذه الخلطة التي تكون على نوع مودة في الدنيا، وقضاء وطر بعضهم من بعض، تنقلب إذا حقت الحقائق عداوة، ويعض المخلط عليها يديه ندما، كما قال تعالى: ويوم يعض الظالم على يديه يقول يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، ياويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني [الفرقان:27-29] وقال تعالى: الأخلآء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين [الزخرف:67] ، وقال خليله إبراهيم لقومه: إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين [العنكبوت:25] ، وهذا شأن كل مشتركين في غرضك يتوادون ما داموا متساعدين على حصوله، فإذا انقطع ذلك الغرض، أعقب ندامة وحزنًا وألمًا وانقلبت تلك المودة بغضًا زلعنة، وذمًا من بعضهم لبعض.

والضابط النافع في أمر الخلطة: أن يخالط الناس في الخير كالجمعة والجماعة، والأعياد والحج، وتعلم العلم، والجهاد، والنصيحة، ويعتزلهم في الشر وفضول المباحات.

فإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشر، ولم يمكنه اعتزالهم: فالحذر الحذر أن يوافقهم، وليصبر على أذاهم، فإنهم لابد أن يؤذوه إن لم يكن له قوة ولا ناصر. ولكن أذى يعقبه عز ومحبة له، وتعظيم وثناء عليه منهم، ومن المؤمنين، ومن رب العالمين، وموافقتهم يعقبها ذل وبغض له، ومقت، وذم منهم، ومن المؤمنين، ومن رب العالمين. فالصبر على أذاهم خير وأحسن عاقبة، وأحمد ما لا.

وان دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات، فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعة لله إن أمكنه.

المفسد الثاني من مفسدات القلب: ركوبه بحر التمني:

وهو بحر لا ساحل له. وهو البحر الذي يركبه مفاليس العالم، كما قيل: إن المنى رأس أموال المفاليس. فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة، والخيالات الباطلة، تتلاعب براكبه كما تتلاعب الكلاب بالجيفة، وهي بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية، ليست لها همة تنال بها الحقائق الخارجية، بل اعتاضت عنها بالأماني الذهنية. وكل بحسب حاله: من متمن للقدوة والسلطان، وللضرب في الأرض والتطواف في البلدان، أو للأموال والأثمان، أو للنسوان والمردان، فيمثل المتمني صورة مطلوبة في نفسه وقد فاز بوصولها والتذ بالظفر بها، فبينا هو على هذا الحال، إذ استيقظ فإذا يده والحصير!!

وصاحب الهمة العلية أمانيه حائمة حول العلم والإيمان، والعمل الذي يقربه إلى الله، ويدنيه من جواره. فأماني هذا إيمان ونور وحكمة، وأماني أولئك خداع وغرور.

وقد مدح النبي متمني الخير، وربما جعل أجره في بعض الأشياء كأجر فاعله.

المفسد الثالث من مفسدات القلب: التعلق بغير الله تبارك وتعالى:

وهذا أعظم مفسداته على الإطلاق.

فليس عليه أضر من ذلك، ولا أقطع له عن مصالحه وسعادته منه، فإنه إذا تعلق بغير الله وكله الله إلى ما تعلق به. وخذله من جهة ما تعلق به، وفاته تحصيل مقصوده من الله عز وجل بتعلقه بغيره، والتفاته إلى سواه. فلا على نصيبه من الله حصل، ولا إلى ما أمله ممن تعلق به وصل. قال الله تعالى: واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ، كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا [مريم:81-82] ، وقال تعالى: واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون [يس:74-75] .

فأعظم الناس خذلانا من تعلق بغير الله. فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات. ومثل المتعلق بغير الله: كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت، أوهن البيوت.

وبالجملة: فأساس الشرك وقاعدته التي بني عليها: التعلق بغير الله. ولصاحبه الذم والخذلان، كما قال تعالى: لا تجعل مع الله إلاها أخر فتقعد مذموما مخذولا [الإسراء:22] مذموما لا حامد لك، مخذولا لا ناصر لك. إذ قد يكون بعض الناس مقهورًا محمودًا كالذي قهر بباطل، وقد يكون مذمومًا منصورًا كالذي قهر وتسلط بباطل، وقد يكون محمودًا منصورًا كالذي تمكن وملك بحق. والمشرك المتعلق بغير الله قسمه أردأ الأقسام الأربعة، لا محمود ولا منصور.

المفسد الرابع من مفسدات القلب: الطعام:

والمفسد له من ذلك نوعان:

أحدهما: ما يفسده لعينه وذاته كالمحرمات. وهي نوعان:

محرمات لحق الله: كالميتة والدم، ولحم الخنزير، وذي الناب من السباع والمخلب من الطير.

ومحرمات لحق العباد: كالمسروق والمغصوب والمنهوب، وما أخذ بغير رضا صاحبه، إما قهرا وإما حياء وتذمما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت