ولاشك - أيها الإخوة الأحبة - أن هناك صورا محزنة، ومظاهر مؤسفة، وأحوالا مخزية نراها في هذه الفترة من الصيف، قد تحدث إلي بالأمس غيور، ظل يتابع الاتصال وهو يركز على وجوه النقد التي تصاحب كثيرا من ممارسات الصيف، فآثرت أن يكون حديثنا الأول هو حديث الإيجاب وحديث القواعد المؤسسة، وحديث الآيات البينة الواضحة، وحديث هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان النموذج الأمثل في اغتنام الأوقات، والذي كان مضرب المثل الحقيقي في حياة كل مسلم ومؤمن.
لكننا لابد كذلك أن ننبه إلى هذه السلبيات؛ لأنها لا تقع إلا منا نحن إما مباشرة وإما بطرق غير مباشرة، وهذه مآس كثيرة وهذه مشكلات عديدة:
أولها: مشكلات السهر والعبث:
أكثر الشباب والشابات - بل وكثير من الأسر - عندما يأتي هذا الصيف لا يذوقون النوم في ليله أبدا ويسهرون الليل ينحرون أوقاته حتى الصباح، فإذا جاء الصباح قتلوه نوما وقتلوه كسلا وقتلوه سلبية، وهذا أمر ظاهر ومشاهد ولو أردت أن تجرب أن تتصل بأي بيت في صباح أي يوم لما وجدت لك مجيبا، ونرى ذلك بآثاره السلبية، فالشباب يصنعون - كما تعلمون - من التجمعات في الأماكن السكنية وفي أماكن المنتزهات ويصنعون ما هو معلوم من الأذية والمعاكسات والمغازلات وغير ذلك من الأمور المعلومة ومآس أخرى في مخازي الأسواق والمنتزهات ولعلنا هنا نتوجه إلى النساء والفتيات فإن الخروج المسف المكثر المتأخر إلى ما بعد منتصف الليل في هذه الأماكن مع قصد في التميع والتكسر، وعدم مراعاة لأحكام الحجاب وآداب الحياء ومراعاة الواقع الاجتماعي والأسري والتربوي؛ فإن هذا نعلم منه الكثير، وترى اليوم الأسواق وهي تعج بروادها كأنما كانوا في مجاعة فخرجوا يتطلبون قوتهم، أو كانوا قد عريت أجسامهم فخرجوا يشترون أكسية وأحذية أو نحو ذلك، ولاحرمة في التسوق، ولا غضاضة في قضاء الحوائج، لكنها بهذه الصورة والهيئة التي تكثر عند الناس حتى تكون كأنها جدول أعمال له في كل يوم ساعات أو له في كل أسبوع أيام والمسألة بقضاء الحاجة تنقضي في أوقات يسيرة لمن كان يطلب حاجته ويعرفها دون هذا العبث والنزهة التي تتدثر بدثار التسوق ونحو ذلك.
ومآس أخرى في السياحة والأسفار:
ليس أولها ما يصنعه كثير من النساء من نزع الحجاب مع أول درجات سلم الطائرة كأنما هناك مكان ليس فيه حكم لشرع الله أو كأنما هناك مكان يخلو ويخرج عن علم الله المحيط الشامل القائل - جل وعلا - في وصف علمه وشموله: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (19) } [غافر: 19] .
وهذه صور كثيرة نحن مسؤولون عنه.. قد نكون من أهلها وقد يكون بعض معارفنا أو جيراننا أو أقاربنا من أهلها، وقد يكون غيرهم من أهلها، ونحن نملك أن نقول كلمة ننصح بها أو نقدم رسالة نذكر بها، وأن نحذر مما يستهدفنا ونحن نمر في بلادنا وعلى مستوى أمتنا بأعظم هجمة شرسة تريد استئصال إسلامنا من جذوره، ونسخ تاريخنا من أصوله، وفوق ذلك كذلك نجد أننا نمر بأشد الظروف التي تكاد فيها أوضاع أمتنا في داخلها تموج بكثير من المتغيرات والاضطرابات، فهل يحسن بنا مع ذلك كله أن نبقى على غفلتنا، وأن نبقى على السر الأعظم في سبب بلائنا ونكباتنا ومصائبنا والسبب الأساس في تسلط أعدائنا وهو مخالفتنا لأمر الله وتنكبنا لهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.. {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} [الروم: 41] .
فالله الله في أبنائكم وبناتكم، والله الله في أوقاتكم وأيامكم ولياليكم وساعاتكم، والله الله في قلوبكم ونفوسكم، والله الله في الفرص العظيمة والأبواب المشرعة من الخير، لعل الله - سبحانه وتعالى - أن يعوضنا كثيرا مما فرطنا فيه، وأن يجعل هذه الأوقات المتاحة فرصة لننجز عملا نخدم به أنفسنا نعلي به إيماننا نعظم به أجورنا ننصر به أمتنا نقوي به مجتمعن.
قبل أن يقضي الفراغ على أطفالنا !! (1-2)
لقمان عطا المنان
تتعدد المدارس على طول البلاد وعرضها وعلى وجه الخصوص ما يسمى بمرحلة الأساس الحكومية أو الخاصة التي صارت تجارة رائجة رابحة..هذه المدارس التي تحوي جيوشًا جرارة من التلاميذ الذين تتراوح أعمارهم في الغالب ما بين ست سنوات إلى أربع عشرة سنة حيث يقضون ثمان سنوات بين أركانها وجدرانها..ولكن السؤال الذي يطرح ويفرض نفسه هو: كيف يقضي هؤلاء التلاميذ أوقات فراغهم في العطلة أو الإجازة؟!..
ذات مرة سمعت بأذني - وأنا أشق طريقي وسط أحد الأحياء العاصمية أثناء شجار وقع بين اثنين من الأطفال لا يتجاوز عمر أحدهما إحدى عشرة سنة - ألفاظًا متبادلة بينهم يعف القلم عن ذكرها!!..
توقفت وتأملت هذه الألفاظ التي تفوّه بها هذان الطفلان، وتساءلت وفي نفسي مرارة: من أين أتى هؤلاء الصغار بهذه الألفاظ البذيئة، وهذا السلوك المشين؟!..
كانت الأسئلة تحاصرني، لكنني لم أجد لها إجابة شافية سوى أنها حدثت بسبب الفراغات العريضة التي تتركها بعض الأسر والمدارس.. والنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول في ذلك: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) ..
ولكم أن تتصوروا معي هؤلاء الصغار وهم يجلسون في الطرقات، ويتشاغبون في أشياء لا تسمن ولا تغني عن جوع.. أو انظروا إلى جلوسهم أمام الحوانيت وهم يحملون الألعاب النارية التي يفجرونها بين الفينة والأخرى بعد أن يقوموا بوضعها خلسة تحت أقدام الكبار أو الصغار ثم تنفجر مسببة الهلع والفزع والروع للجالسين والمارة، بينما هم يقهقهون!!..
إن أخطر ما يواجهه هؤلاء الصغار هو الفراغ القاتل الذي إن لم يستثمر في شيء مفيد ضاع الصغير وفسد؛ لا سيما من كان في مرحلة المراهقة وبداية طور النضوج!!..
* نود من خلال هذا التحقيق أن تتناول موضوعًا طالما غفل عنه الكثيرون!!..
* ما أكثر ما يعانيه المارة بالشارع من تلفظ الصغار بألفاظ وكلمات بذيئة؛ فيجب على أولياء الأمور أن يحاولوا علاجها بشتى الطرق بالتي هي أحسن؛ بطرق كثيرة مثل ملء فراغهم بأشياء مفيدة يمكن أن يسدوا بها هذا الفراغ القاتل الذي يذهب كثيرًا في أشياء تنعكس على سلوكهم، ويجب على الآباء أن يعلموا أنه (لكل داء دواء) ؛ فإن معرفة الأسباب الكامنة وراء الداء تمثل نصف الدواء..
إن على الأب أو الأم أن يسمع بعقل القاضي وروح الأب لأسباب انفعال الطفل بعد أن يهدئ من روعه، ويذكر له أنه على استعداد لسماعه؛ وحل مشكلته، وإزالة أسباب انفعاله.. وهذا ممكن إذا تحلى بالهدوء والذوق في التعبير عن مسببات غضبه..
ثانيًا: إحلال السلوك القويم محل السلوك المرفوض:
ثم بعد ذلك البحث عن مصدر تواجد الألفاظ البذيئة في قاموس الطفل؛ فالطفل جهاز محاكاة للبيئة المحيطة؛ فهذه الألفاظ هي محاكاة لما قد سمعه في بيئته المحيطة: (الأسرة الشارع الأقران) .. كما يجب أن يراعى أن يعزل الطفل عن مصدر الألفاظ البذيئة المصدر؛ كأن يبعد عن قرناء السوء إن كانوا هم المصدر؛ فالأصل كما قيل في تأديب الصبيان (الحفظ من قرناء السوء، وإظهار الرفض لهذا السلوك؛ وذمه علنًا، مع إدراك أن طبيعة تغيير أي سلوك هي طبيعة تدريجية؛ وبالتالي التحلي بالصبر، والهدوء في علاج الأمر أمر لا مفر منه) ؛ (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) ..