فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 788

كيف تقضي المرأة وقتها ( 6 )

سلمان بن يحيى المالكي

النقطة الثالثة: نماذج من حفظ العلماء لأوقاتهم.

يحدِّث أبو حاتم عن نفسه وجهاده في طلب العلم فيقول: بقيت في البصرة ثمانيةَ أشهر وكان في نفسي أن أقيم بها سنةً كاملة، لكن انقطعت نفقتي فجعلت أبيع ثيابي حتى نفدت وبقيت بلا نفقة، ومضيتُ أطوف مع صديقٍ لي إلى المشْيخة، وأسمع إلى المساء، فانصرف رفيقي فجعلت أطوف معه لسماع الحديث على جوع شديد، وانصرفت جائعا، فلما كان من الغد، غدا عليّ فقال: مُرّ بنا إلى المشايخ، قلت أنا ضعيف لا يمكنني، قال ما ضعفك؟ قلت: لا أكتمك أمري، قد مضى يومان ما طعمت فيهما شيئا، قال: قد بقي معي دينار، فنصفه لك، ونجعل النصفَ الآخر في الكِرى، فخرجنا من البصرة، فأخذت منه نصفَ الدينار"هكذا كان حرص العلماء على أوقاتهم على الرغم من الشدة التي تقابلهم، وهذا الإمام الذهبي يذكر نموذجا آخر في كتابه تذكرة الحفاظ وفي سير أعلام النبلاء لابن أبي حاتم صاحب الجرح والتعديل يقول: كنا في مصر سبعةَ أشهر لم نأكل فيها مرَقة، كلُ نهارنا مقسَّم لمجالسِ الشيوخ، وبالليل النسخ والمقابلة، قال: فأتينا يوما أنا ورفيق لي شيخا، فقالوا: هو عليل [أي مريض] فرأينا في طريقنا سمكة، أعجبتنا فاشتريناها، فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس، فلم يُمْكِّنا إصلاح هذه السمكة، ومضينا إلى السمكة، ولم نزل حتى أتى على السمكةِ ثلاثةُ أيام، وكاد أن يتغير، فأكلناه نَيْئا، لم يكن لنا فراغ أن نشويها، ثم قال: إن العلم لا يُستطاع براحة الجسد، وهذا عبد الغني المقدسي المتوفى في القرن السابع، حكى عنه الإمام الذهبي فقال"كان لا يضيع شيئا من أوقاته بلا فائدة، فكان يصلي الفجر ويُلقِّنُ القرآن وربما قرأ شيئا من الحديث تلقينا ثم يقوم فيتوضأ فيصلي ثلاثَمائةِ ركعةٍ بالفاتحةِ والمعوذتين، إلى قبل الظهر، فينام نومة ويصلي الظهر، ويشتغل إما بالتسميع أو بالنسخ إلى المغرب، فإن كان صائما أفطر، وإلا صلى من المغرب إلى العشاء، ثم يصلي العشاء وينام إلى نصفِ الليل أو بعده، ثم قام كأن إنسانا يوقظه، فيصلي لحظة ثم يتوضأ ويصلي إلى قرب الفجر، وربما توضأ سبعَ مراتٍ أو ثمانًا مرات في الليل، وقال"ما تطيب ليَ الصلاة إلا مادمت أعضائي رطبة، ثم ينام نومة يسيرة إلى الفجر وهذا دأَبه"وحفظُ الأوقات أيها الأخوة والأخوات ليس قصرا على الرجال وحدهم، بل كانت هناك نماذج من النساء حافظات لأوقاتهن، وفي مقدمةِ هذه النساء أمِ المؤمنين عائشة رضي الله - تعالى -عنها، الذي كانت محّلُ استشهاد الصحابة، وحينما يُشكل عليهم أمرا من أمور الدين في الفقه أو الفرائض أو الشعر أو غيرها تكون هي مرجعُهم، ويقال: لو وُزن علمها بعلم النساء مجتمعة لوزَنَ علم عائشة علمَ النساءِ كلَهن، بل لم تحصل عائشة هذه المزية من هذا العلم والتي أصبحت من رواة الحديث المشهورين إلا بحرصها وحفظها على وقتها، وهذه أيضا عمْرة بنت عبد الرحمن بن سعد بنُ زرارة الأنصارية قال عنها بن سعد في الطبقات: إنها كانت عالمة، وربيبةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زينب بنتُ أبي سلمة بنت أمِ سلمة أم المؤمنين - رضي الله عنها - يقال: إنها كانت أفقه امرأة بالمدينةِ في وقتها، وأمُ الدرداء - رضي الله عنها - كانت من العالمات ومن الحافظاتِ لأوقاتها، ولذلك كانت تحرص على حِلَق العلم والدروس مع أبي الدرداء زوجها، ومن النساء أيضا جليلة بنتُ علي بنُ الحسن بنُ الحسين يقول عنها العلماء كانت محدثةٌ قارئة للقرآن، وطلبت الحديث بالعراق وخُراسان، وكتب عنها السمعاني: وكانت تعلم الصبيان القرآن الكريم، وخيرة أمُ الحسن البصري وهي مولاة أمِ سلمة نموذج آخر من نماذج النساء الحافظاتُ لأوقاتهن الذي أنتج هذا الحفظ علما غزيرا وفقها كثيرا وعبادة جليلة، وكانت خيِّرة تقُص على النساء وتعلمهن أمورَ دينَهن، بل يصل الأمر أيها الأخوة بحفظِ الوقت لدى النساء في بعضهن، أن أصبح منهن امرأة تُعتبر من شيوخ الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى -، ومن هو الشافعي مع علمه وقوة حفظه وغزارة حديثه والذي من شيوخه امرأة تُدعى نفيسة بنتُ الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، بل إن العجب كل العجب حينما تعلمون أنها كانت أمية ومع ذلك كانت تحفظ القرآن الكريم والكثير الكثير من الحديث النبوي الشريف الأمر الذي جعلها واحدةً من مشايخ الإمام الشافعي، قال عنها بن كثير: كانت عابدة زاهدةً كثيرةَ الخير، وكانت ذاتُ مال فأحسنت إلى الناس وأنفقت على الزمنى والمرضى وعمومِ الناس، وكانت من النساء أيضا على وقت النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كانت مثالا في حفظ الوقت، وتغزوا معه إذا غزا هي نسيِبة بنتُ كعبٍ الأنصارية - رضي الله عنها - وهي مرأة مجاهدة عالمة، وقد كان جماعة من الصحابة وعلماء من كبار التابعين في البصرة يأخذون عنها غسل الميت كما ساق ذلك بن حجر في تهذيب التهذيب وكانت في المغازي تمرضُ المرضى وتداوي الجرحى، وشهدت غسل بنت النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو سرتم معي قليلا إلى القرن السادس الهجري نجد عالمة من العالمات هي نعمة بنتُ علي بنت يحي الفرّاح المتوفاة سنة 604 وهي شيخةٌ من أهل دمشق، وكانت من أهل الحديث، روته وأُخذ عنها، سمعت من أبيها وأختٍ له اسمها عزيزة وابنة لأخيها كتابَ الكفاية في معرفة الرواية للخطيب البغدادي، على جدها يحي سنةَ خمسمائةٍ وثلاثين، وكان مولدها سنة خمسمائةَ وثمانيةَ عشر وسمعت عام خمسمائة وثلاثين، فكان عمرها قرابةَ اثنتي عشرةَ عاما، وهذا دليل على شغفها بالعلم وحرصها على الوقت منذ طفولتها، وأردت من هذه الأمثلة أن أبين أن حفظ الوقت ليس قصرا على الصحابيات فحسب، وإنما هي في قرون متأخرة إلى وقتنا هذا والحمد الله، وعودا على بدء في عصر الرسالة والنبوة، فهذه حواء بنتُ يزيد بن سِنان الأنصارية والذي كان خالها الصحابي الجليل سعدُ بن معاذ وزوجها هو قيس بن الحطيم، وأردت من هذا النموذج أن أوضح أن المرأة تستطيع أن تستثمر وقتها مهما كان مجهوداتها وشغلها والضغوط عليها، وقد أُخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إسلام هذه المرأة ليلة العقبة، وكانت تكتم إسلامها عن زوجها لأنه كان يصدها عن دينها، بل كان يعبث بها ويأتيها أحيانا وهي ساجدة فيقلبها على رأسها، وربما كان يأخذ ثيابها ويضعها على رأسها وهي تصلي وهو يقول: إنكِ لتعتقدين دينا لا يُدرى ما هو، ومع ذلك كانت هذه المرأة مصرة ببقائها على دينها حتى كانت العاقبة لها، فحينما وصل الرسول - صلى الله عليه وسلم - خبرها وخبرَ زوجها، عرض عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قدومه مكة مع جمع من قومه من الأنصار كانوا يطلبون حلفا من قريش، فقال هذا الرجل أنظرني حتى أقدُم المدينة، فطلب منه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجتنب إيذاء زوجته حواء، وأوصاه بها خيرا وقال إنها قد أسلمت، ففعل قيس، ولما سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه تخلا عن إيذائها قال"وفى لنا قيس"وهذه أسماء بنتِ عمير وهي من الصابرات الصائمات العالمات، صحابية جليلة عظيمةَ القدر، أسلمت قبل دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم، ثم هاجرت مع زوجها جعفر إلى الحبشة وولدت بعض أولادِه هناك، فلما قُتل زوجها جعفر - رضي الله عنه - زوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر الصديق فولدت له محمد ثم تزوجها علي بن أبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت