فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 788

كما كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على إعمار وقته بالعبادة والطاعة، فقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي (ص) كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: (( لم تصنع هذا يارسول الله وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا ) ). (12)

خامسًا: تقسيم الوقت وتنظيمه

يحث النبي صلى الله عليه وسلم الأمة على الاهتمام بتنظيم الوقت وتوجيهه لمعالي الأمور في الحياة الخاصة والعامة، فيقول فيما يرويه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( ألم أُخْبَر أنّك تقوم الليل وتصوم النهار؟ قلت: بلى. قال: فلا تفعل، قم ونم وصم وأفطر، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لِزَورِكَ(*) عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا )). (1) ومن الأولى بالمسلم ألا يخل بهذه الموازنة بل الواجب عليه أن يوزع وقته للوفاء بهذه الحقوق دون إخلال بأحدها لصالح الآخر، وليس المقصود توزيع الوقت بين هذه الحقوق بالتساوي، وإنما المراد التسديد والمقاربة في الوفاء بها جميعًا قدر الاستطاعة.

ومما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن صحف إبراهيم عليه السلام قوله: (( على العاقل - مالم يكن مغلوبًا على عقله- أن تكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيها في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب ) ). (2)

ومن تنظيم الوقت أن يكون فيه جزء للراحة والترويح، فإن النفس تسأم بطول الجِدِّ، والقلوب تمل كما تملّ الأبدان، فلا بد من قدر من اللهو والترفيه المباح، فعن حنظلة الأُسيدي رضي الله عنه أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذاك ؟ قلت: يارسول الله نكون عندك تذكّرنا بالنار والجنة حتى كأنَّا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا (*) الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ) )كررها ثلاث مرات. (3) هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلّم أصحابه ويبين لهم أن القلوب تكل وتتعب وتتقلب فيجب العمل على مراعاتها والتنفيس عنها بين الفينة والأخرى بما أحل الله، وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم ذلك ووعوه وطبقوه في حياتهم العمليّة فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (أريحوا القلوب، فإن القلب إذا أكره عمي) ، (4) وروى عنه أنه قال أيضًا: (إن للقلوب شهوة وإقبالًا، وفترة وإدبارًا، فخذوها عند شهواتها وإقبالها، وذروها عند فترتها وإدبارها) ، (5) وجاء عن أبي الدرداء رضي الله عنه قوله: (إنّي لأستجمّ نفسي بالشيء من الباطل غير المحرّم فيكون أقوى لها على الحق) . (6)

سادسًا: الحث على اغتنام الوقت والتحذير من إضاعته

من الأقوال المأثورة في الحث على استثمار الوقت واقتناص فرصه، حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: (( اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغَنَاءك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ) ). (7) فقد لخّص النبي (ص) في هذه الكلمات الموجزة البليغة ما تناوله الباحثون في كتب عدة، فهو من جوامع الكلِم، إذ تحدّث عن أهمية الوقت والمبادرة إلى استثماره واغتنام قوة الشباب وفرص الفراغ في العمل الصالح المثمر، وحذر من خمس معوّقات لاستثمار الأوقات، كل ذلك في عبارات وجيزة لا تبلغ العشرين كلمة.

كما كان صلى الله عليه وسلم يأمر بالمبادرة إلى العمل قبل حلول العوائق فيقول: (( بادروا بالأعمال سبعًا، هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنىً مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة، فالساعة أدهى وأمر ) ). (8)

فهو صلى الله عليه وسلم يحث أمته على المبادرة بأداء الأعمال وعدم تأجيلها، ذلك أن حال الإنسان لا يخلو من وقوع المعوّقات من مرض أو هرم أو موت أو نحو ذلك مما يقف حائلًا دون أداء الأعمال أو إتمامها، فالمعوّقات كثيرة، والحاذق من بادر بأداء العمل قبل أن تحاصره العوائق.

أمّا قوله صلى الله عليه وسلم: (( من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ) ). (9) فإنّ الطيبي (10) يقول فيه:"هذا مَثَلٌ ضربه النبي (ص) لسالك الآخرة فإن الشيطان على طريقه والنفس وأمانيه الكاذبة أعوانه، فإن تيقظ في مسيره وأخلص النية في عمله أمِن من الشيطان وكيده". (11)

وهذا المثل يصح أيضًا في حق من حدد لنفسه أهدافًا، وخاف أن تدركه المعوّقات قبل بلوغها، فتجده يحث الخطا حتى يحقق أهدافه.

وقد كان صلى الله عليه وسلميأمر بالتبكير في أداء الأعمال، فعن صخر الغامدي رضي الله عنه عن النبي (ص) أنه قال: (( اللهم بارك لأمتي في بكورها، وكان إذا بعث سرية أو جيشًا بعثهم من أول النهار ) )، وكان صخر رجلًا تاجرًا، وكان يبعث تجارته من أوّل النهار، فأثرى وكثر ماله. (12)

وفي هذا المعنى أيضًا تروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( باكروا طلب الرزق والحوائج فإن الغدو بركة ونجاح ) ). (13)

وعن فاطمة رضي الله عنها وأرضاها قالت: مرّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجعة متصبّحة فحرّكني برجله ثمّ قال: (( يا بنية قومي اشهدي رزق ربك ولا تكوني من الغافلين، فإن الله يقسم أرزاق الناس ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ) ).(14

كتاب إدارة الوقت رؤية إسلامية

موقع إسلاميات أون لاين

الوقت والحياة

عائض بن عبد الله القرني

الحمد لله الذي كان بعبادة خبيرا بصيرا.

وتبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا.

وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يتذكر أو أراد شكورا.

وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا.

(الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (الفرقان:2)

والصلاةُ والسلام على من بعثَه ربُه هاديا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى اللهِ بإذنِه وسراجا منيرا، اللهم صلى وسلم على حامل لواء العزِ في بني لؤي، وصاحبِ الطودِ المنيفِ في بني عبدِ مناف ابنِ قصي، صاحبِ الغرةِ والتحجيلِ المذكورِ في التوراةِ والإنجيل، المؤيدِ بجبريل، المعلمِ الجميل، وعلى آله وصحبِه وسلم تسليما كثيرا.

دقاتُ قلبِ المرءِ قائلَةُ له إن الحياةَ دقائقُ وثواني

فأرفع لنفسِك قبلَ موتِك ذكرَها ... فالذكرُ للإنسانِ عمرُ ثاني

أيها الناس!

ودعنا عاما قد انصرم، واستقبلنا عاما قد قدِم، ودعنا عاما ذهبَ بحسناتِه وسيئاتِه، نسينا ما فعلنا فيه، ولكن والله ما فعلنَا علمُها عند ري في كتابٍ لا يضل ربي ولا ينسى، غفلنا عما فعلنا ولكن ما غفلَ اللهُ عنا: (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) (الكهف: من الآية49) . واللهِ ما فاتَ كتابُ اللهِ حسنةً ولا سيئة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت