فهرس الكتاب

الصفحة 559 من 788

وإن كنا نريد أن نعرف الخلفيات فلنذكر أن الهدف هو تفكيك عروة الشباب منذ الطفولة وبناء أجيال متحللة مدمرة ورفع يد الآباء عن التوجيه وخلق جو من الكراهية في محيط الأسرة حتى يفقد الشباب تلك الثمرة الخصبة"تجربة الجيل"وثمرة العبرة من كفاح الآباء وذلك في طريق هدف بروتوكولات صهيون الصريح: الذي يقول:"يجب تدمير المجتمعات الإنسانية قبل السيطرة عليها".

رابع عشر: أعطى الإسلام البشرية: التفسير الجامع (الرباني المصدر الإنساني الهدف) لا ريب أنه صدق التفاسير، لقد أهمل التفسير المادي جوانب المعنويات والقوى الذاتية والدين والأخلاق وهي جميعها بعيدة الأثر في مقدرات التاريخ وحركة المجتمعات وسيظل الدين بمفهومه الإسلامي الواسع الجامع عنصرًا هامًا من عناصر تشكيل الذاتية الفردية والاجتماعية.

وأن القائلين بأن الدين ليس مصدرًا من مصادر التوجيه أو ليس عاملًا من عوامل بناء الحضارات وحركة التاريخ إنما يتجاهلون شطرًا هامًا من طبائع النفوس وخصائص الأشياء.

خامس عشر: ما يزال الإسلام والإسلام وحده هو المنهج القادر على إعطاء النفس العربية والإسلامية، بل النفس الإنسانية ريها وسكينتها، وقوتها وحيويتها. إن الخطأ هو اعتناق عقائد المجتمعات التي تشكلت على نحو خاص، والخطأ هو أن تأخذ الأمور من نهاياتها فهذه الحضارات قد شاخت وبان عوارها وفسدت ولم تعد تنفع أهلها، وحاول أصابها تعديل مناهجها مرة بعد مرة، ومع ذلك فلم تحقق لهم ما يطمعون فيه، إن ما يطمعون فيه لا يوجد لأنهم يقيسون بمقياس واحد: مقياس جزئي، هو مقياس العقل والعلم والمادة بينما يقيس الإسلام بمقياس متكامل:عقل وقلب وعلم ووحي وروح ومادة.

إن حضارة الإسلام لا تقوم على العلم وحده ولكن على العلم في إطار العقيدة.

سادس عشر: إن تخلف المسلمين في العصر الحديث قضية مستقلة، عن منهج الإسلام ذاته، فمنهج الإسلام حين طبق أمام تلك الحضارة الباذخة وحين غفل عنه المسلمون وتجاوزونه وقعوا في هوة التخلف فالعيب ليس عيب المنهج، لأن المنهج رباني وقد سجلت تجربته بصماتها على التاريخ. إن القيم الإسلامية في تقدميتها ونصاعتها ليست مسئولة عن التخلف، وإنما جاء التخلف نتيجة تجاوزها وإهمالها، يقول ولفرد كانتول سميث:"إنه دين استطاع أن يوحي إلى المتديئين به شعورًا بالعزة كالشعور الذي يخامر المسلم من غير تكلف ولا اصطناع".

ولقد يرى البعض أن تخلف المسلمين ليس له إلا سبب واحد: هو سقوط العزيمة، سقوط الإرادة: الغفلة عن الأخطار المحدقة من كل جانب (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم) : (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم) .

إن ظواهر التخلف ظهرت في اليوم الذي بدأ فيه المسلمون يميلون إلى الحلول السهلة، ويسترخون، ويتجاهلون الخطر المحدق. ويبتعدون عن حياة اليقظة التامة والمرابطة الدائمة في الثغور، والانحراف عن مبادئ القرآن. هذه أمة الرباط إلى يوم القيامة كما حدث الصادق المصدوق، لقد فقد المسلمون التحدي فسقطت العزيمة: غفلوا عن المجاهدة، فقدوا روح الصلاة والإيمان واكتفوا بالمظاهر، عن ذلك دارت الدائرة عليهم، يقول أرنولد تويئبي: إن الغرب وضع الحبل في رقبة العالم الإسلامي منذ القرن الخامس عشر وكان يتهيب أن يشده، ثم بدا له المسلمين في نوم عميق فشد حلبه وسيطر عليهم.

سابع عشر: إن دخائل كثيرة دخلت على المسلمين وأفسدت حياتهم وأعلت من شأن المتعة والترف وأبعدتهم عن الاخشيشان والقدرة على الصمود، وفرغت حياتهم من فريضة الجهاد وتخلفوا عن مفهومهم الأصيل: احرص على الموت توهب لك الطريق، وغفلوا عن بذل النفس رخيصة في سبيل الحق، وتقهقروا إلى الحرص والخوف والجبن والذلة بما أعجزهم عن مواجهة الموت في ميادين المقاومة. وقبلوا بالحياة ذليلة، ولو علموا أنهم سيموتون في نفس اللحظة التي ينتهي فيها الأجل لما حرصوا ولا جزعوا. واليوم حين تعود فريضة الجهاد إلى حياتهم يبدأون عصرًا جديدًا.

ثامن عشر: أقر الإسلام حرية الفكر والعقيدة:"لا إكراه في الدين"ودعا إلى المطالبة بالبرهان والدليل ونهى عن تحكيم الهوى وفتح باب الاجتهاد ودعا إلى عدم الانخداع بالأوهام والاغترار بالظنون وأنكر القول بغير دليل وقرر عدم كتمان العلم وأطلق حرية البحث ودعا إلى التحرر من التبعية والتقليد وأقر مبدأ الأصالة.

وفرق بين العقائد والمعارف. وجعل العقائد خاصة وجعل المعارف عامة وفرق بين الأساس والعارض وفرق بين المعارف الجوهرية والمعارف غير الجوهرية (من لغو القول وإزجاء الفراغ) ودعا إلى الأخذ من كل علم بأحسنه كما دعا إلى التحري عن الحق وأفهم أهله بأن من كرامة العلم الربط بين العقيدة والعمل بها ورفض مبدأ العلم لذاته وقرر أن العلم يعترف بالحق إذا تبين وأن يغير العالم رأيه إذا جاء الدليل وإنما يطلب العلم من أجل العمل بع وأقام الإسلام الفطرة ودعا إلى نقاءها وشدد بالنهي عن إفسادها بالتعاليم الضارة. ودعا إلى التحري عن الحق وطالب أهله بأن من كرامة العلم أن نعترف بالحق إذا تبين وأن نرجع إلى الحق إذا جاء الدليل ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس ثم هديت فيه لرشدك أنه تعود إلى الحق فإن الحق قديم وإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.

الإسلام والفراغ:

كره الإسلام للمسلم أن يعتاد القعود غير المثمر بحيث تتسع مساحة الفراغ في حياته ويضيع وقته فيما لا يعود عليه بخير في معاشه ولا معاده ، فإن هذا هو الغبن والخسارة بعينها حتى ولو كان الإنسان ذا ثروة كبيرة ، وكفاية في الدنيا .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ » (1) ، ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه عن إضاعة الوقت في الجلسات على الطرقات تلك التي اعتاد الناس أن يجلسوها ، ولما اعتذروا إليه بأنهم لا يستغنون عن مثل هذه المجالس وجههم إلى ضرورة شغل الوقت في عمل الخير فلا يصح أن تكون هذه المجالس خالية عن فائدة ، وجعل للطريق حقا على المسلم ينبغي أن يؤديه وحرمة لا بد أن يرعاها (2) ، وعندما تتسع مساحة الفراغ في حياة الإنسان فإنه سيجنح إلى السوء واللغو واللهو ، ولذا فقد عمرت المقاهي والمنزهات والمنتديات والمجالس في عصرنا هذا بالكلام الفاحش , أو النظرة الماكرة ، أو اللعبة المحرمة ، وخلت من معاني الخير والفضيلة إلا في مجال ضيق محدود .

(1) صحيح البخاري [المغني] (8\ 396) (6049) ,سنن الترمذي [المغني] (8\ 396) (2304) ,سنن ابن ماجه [المغني] (8\ 396) (4170) ,مسند أحمد بن حنبل (1/258) ,سنن الدارمي [المغني] (8\ 396) (2707) .

(2) أخرج البخاري ما يفيد ذلك ( المظالم 5 \ 112 ) من حديث أبي سعيد الخدري .

من تعلم مهنة فلا يتركها:

وكره الإسلام أيضا للمسلم أن يتعلم مهنة أو صنعة أو عملا نافعا ثم يتركه دون حاجة ، وخاصة إذا كانت هذه المهنة مما يعم نفعها المسلمين ، وتتعلق بها بعض مصالحهم ، أو لها دور مؤثر في الاقتصاد أو تنمية المجتمع الإسلامي ، أو في الدفاع عنه .

إن إحالة الإنسان على المعاش أو التقاعد ليس معناها أن يقطع صلته بالعمل ، وما يتعلق بتخصصه فيخلد إلى الخمول والكسل ، بل إن الفرصة تصبح متاحة أمامه بشكل أوسع للإبداع والإنتاج ، والإفادة من الوقت ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من علم الرمي ثم تركه فليس منا ، أو قد عصى » (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت