فهرس الكتاب

الصفحة 446 من 788

ومنها: استخراج عبودية أوليائه وحزبه في الضراء كما هي في السراء ، وفيما يكرهون كما فيما يحبون ، فإن المسلم إذا ثبت على الطاعة والعبودية في السراء والضراء وفيما يحب وفيما يكره ؛ كانت عبوديته حقة ، وليس كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية . ومنها: أن الله لو نصر المؤمنين في كل موقف وكل موقعة فلربما طغت نفوس أكثر الناس ، وبغوا في الأرض ، ووقع في نفوسهم أن النصر من عندهم وليس من عند الله . ومنها: أنه إذا امتحنهم بالهزيمة ذلوا وانكسروا وخضعوا وابتهلوا إلى الله وتضرعوا ، فيستوجبون بذلك من الله النصر والعز . ومنها: أن بلوغ الدرجات العالية في الجنة لا تنال إلا بالأعمال العظيمة ، ومن الناس من لا تبلغ أعمالهم تلك المنازل فيقيض الله لهم من أسباب الابتلاء والامتحان ما يرفع به درجاتهم . ومنها: أن الله يبلغ بعضًا من عباده درجة الشهادة التي هي من أعلى مراتب الأولياء ، ولا تنال هذه الشهادة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها . ومنها: أن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم ؛ قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها الهلاك والمحق ، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم ومبالغتهم في أذى أوليائه ، ومحاربتهم وقتالهم والتسلط عليهم ، فيكون ذلك سببًا في تعجيل العذاب في الدنيا للكفار وهلاكهم ، كما قال تعالى في بيان الحكمة من غلبة الكفار: { وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ } ( آل عمران: 141 ) ، قال ابن كثير - رحمه الله -: « وقوله { وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ } ؛ أي فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا ، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم » [7] . ومنها: تنقية المؤمنين وتخليصهم من الذنوب وآفات النفوس التي قلّما ينفك منها الناس ، كما قال تعالى: { وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا } .. إلى غير ذلك من الحكم والغايات المحمودة [8] .

* وسائل دفع غلبة الكافرين:

من أول هذه الوسائل: الإيمان الصادق والاعتقاد السليم ، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ؛ إيمانًا لا تخالطه شائبة ، إيمانًا مبرءًا من البدع والقصور ، إيمانًا يبعث على العمل الذي تتحق به المنجزات . ومنها: الحرص على الطاعة والبعد عن المعصية ، فإن هذا أولى ما تُوجه إليه الهمم بعد الإيمان ؛ بحيث يكون الغالب على جماعة المسلمين الطاعة ، وتكون المعصية منغمرة في جنب ذلك ليس لها ظهور ولا فشو ، فقد قيل للرسول صلى الله عليه وسلم: « أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال: نعم ! إذا كَثُر الخبث » [9] ، ولذلك فإن من أهم ما يستحق العناية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يقوم بذلك الأفراد والهيئات والدول ، فإن طاعة الله تعالى من أهم ما يجلب للمؤمنين نصره ، وللكافرين الهزيمة والخذلان ؛ ومنها: إعداد العدة المستطاعة لمنازلة العدو ؛ إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ، والإسلام لم يطلب منا أن نعد العدة الكاملة القادرة على مواجهة الكفار ، ولكن طلب منا أن نبذل جهدنا واستطاعتنا ، فقال تعالى: { وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّة } ( الأنفال: 60 ) ، وذلك أن النصر من عند الله وليس من عند أنفسنا وليس من سلاحنا . ومنها: ترك الوهن والضعف والتخاذل الذي يقضي على كل همّة ، ويجلب الذل والهزيمة في ميادين الجهاد ، وترك الحزن الذي يستحكم في النفوس فيحيلها إلى نفوس هامدة قابعة ليس لها قدرة على المواجهة ، قال تعالى بعد هزمية المسلمين في أُحد مسليًا لهم ومحرضًا لهم على الثبات: { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } ( آل عمران: 139 ) . ومنها: اليقين بأن تسلط الكفار على المسلمين لن يدوم ، وإنما هذا ابتلاء من الله ، وأن الأيام يداولها الله بين الناس ، وأن على المسلمين أن يأخذوا بأسباب التغيير التي تغير الأوضاع التي بها تمكن الكفار منهم ، قال الله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ } ( الرعد: 11 ) . ومنها: اليقين بما وعد الله عباده المؤمنين ، ومن ثم العمل على تحقيق الوعد ، قال الله تعالى: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا } ( النور: 55 ) .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها » [10] .

وقال: « ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر ، إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل ، عزًا يعز الله به الإسلام ، وذلًا يذل الله به الكفر » [11] .

نسأل الله من فضله أن يجعل ذلك قريبًا ، وأن يوفقنا للعمل بالأسباب التي تجعل الدولة للمسلمين على الكافرين .

(1) رواه البخاري ، كتاب المناقب ، رقم 3343 .

(2) أخرجه مالك في الموطأ ، 1/6 .

(3) سير أعلام النبلاء 1/240 .

(4) انظر تفسير ابن جرير الطبري ، 2/624 ، 10/38 .

(5) زاد المسير في علم التفسير ، لابن الجوزي ، 1/466 .

(6) تفسير القرطبي ، 4/ 218 .

(7) انظر: زاد المعاد ، لابن قيم الجوزية ، ففيه المزيد من الحكم في هذا الباب .

(8) تفسير ابن كثير ، 1/440 .

(9) أخرجه البخاري ، كتاب أحاديث الأنبياء ، رقم 3097 ، و مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة ، رقم 5128 .

(10) أخرجه مسلم ، كتاب الفتن وأشراط الساعة ، حديث رقم 5144 .

(11) أخرجه أحمد ، مسند الشاميين ، حديث رقم 16344 .

لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (ج 4 / ص 487)

لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان

وهذه الدار لا تبقي على أحد ولا يدوم على حال لها شان

يمزق الدهر حتمًا كل سابغة إذا نبت مشرفيات وخرصان

وينتضي كل سيف للفناء ولو كان ابن ذي يزن والغمد غمدان

أين الملوك ذوو التيجان من يمن وأين منهم أكاليل وتيجان

وأين ما شاده شداد في إرم وأين ما ساسه في الفرس ساسان

وأين ما حازه قارون من ذهب وأين عاد وشداد وقحطان

أتى على الكل أمر لا مرد له حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا

وصار ما كان من ملك ومن ملك كما حكى عن خيال الطيف وسنان

دار الزمان على دارا وقاتله وأم كسرى فما آواه إيوان

كأنما الصعب لم يسهل له سبب يومًا ولا ملك الدنيا سليمان

فجائع الدهر أنواع منوعة وللزمان مسرات وأحزان

وللحوادث سلوان يسهلها وما لما حل بالإسلام سلوان

دهى الجزيرة أمر لا عزاء له هوى له أحد وانهد ثهلان

أصابها العين في الإسلام فامتحنت حتى خلت منه أقطار وبلدان

فاسأل بلنسية ما شأن مرسية وأين شاطبة أم أين جيان

وأين قرطبة دار العلوم، فكم من عالم قد سما فيها له شان

وأين حمص وما تحويه من نزه ونهرها العذب فياض وملآن

قواعد كن أركان البلاد فما عسى البقاء إذا لم تبق أركان

تبكي الحنيفية البيضاء من أسف كما بكى لفراق الإلف هيمان

على ديار من الإسلام خالية قد أقفرت ولها بالكفر عمران

حيث المساجد قد صارت كنائس ما فيهن إلا نواقيس وصلبان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت