فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 788

وشيخُ آخر نسيَ اللهَ في شيخوختِه، فأصبحَ أشيمطَ يرتكبَ المحرمات، همُه شهادةَ الزور، لا يعرفَ الذكر، وهمُه المشاكل، وإحداثِ الفتنِ بين الأسرِ والقبائل، وجلبِ الأموالِ من غيرِ حلِها والتهتكِ في الربا، وعدم الحياءِ من الله، وقد أتاه النذيرُ: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ، قال ابنُ عباسٍ النذيرُ هنا الشيبُ، ثلاثةُ لا يكلمُهم اللهُ ولا ينظرُ إليهم ولا يزكيهم ولهم عذابُ أليم، وذكر منهم (أشيمطُ زاني) ، شيخُ شابت لحيتُه وشاب رأسُه لكن ما استحيَ من الله، تهتكَ في حدودِ الله، وأعرضَ عن منهجِ الله.

هذه الأجناسُ هي أقسامُ الناسِ في العامِ المنصرمِ والعامِ الذي قبلَه، فنسألُ اللهَ أن يصلحَ الحال، وأن

يتوب على سيء الحال الذي ما عرف ذي الجلالِ والإكرام.

عباد الله، صلوا وسلموا على من أمرَكم اللهُ بالصلاةِ والسلامِ عليه فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. وقد قال عليه الصلاةُ والسلام: من صلى علي صلاةً واحدةً صلى اللهُ عليه بها عشرا.

اللهم صلي على نبيك وحبيبِك محمد، واعرض عليه صلاتَنا وسلامَنا في هذه الساعةِ المباركة، وأرضى اللهم عن صحابتِه الأطهار من المهاجرينَ والأنصار، ومن تبعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

الهم أصلح أئمتنا وولاةَ أمورِنا، اللهم وفقهم لما تحبُه وما ترضاه، اللهم اكتبِ الإيمانَ في قلوبِهم، اللهم حببهم إلى القرآن، اللهم اجعلهم من حملةِ لا إله إلا الله، ومن أنصارِ لا إله إلا الله، ومن حفظةِ لا إله إلا الله.

اللهم أهلَ علينا هذا العامَ الجديدَ بالأمنِ والإيمان، والسلامةِ والإسلام، والعفوِ والرضوان، والمغفرةِ والرحمةِ يا واحدَ يا ديان.

اللهم أجعلهُ عاما حافلًا بالحسناتِ والصالحات، اللهم تب فيه على المذنبين، واقضي الدينَ فيه عن المدينين، وأشفي مرضى المسلمين يا رب العالمين.

اللهم أعد فيه شبابَنا، وأصلحِ فيه حالَنا، وقوي فيه مجدنَا، وأقم فيه علمَنا، وأعد فيه نصرَنا.

اللهم إنا نسألُك فيه من العيشِ أرغدَه، ومن العمرِ أسعدَه، ومن الوقتِ أتمَه، ومن الزمنِ أعمَه.

اللهم أجعلنا من قومٍ حفظوا الأوقات، فاستثمروها في الحسنات، وادخروها في أكبرِ الصالحات.

اللهم ولا تعلنا من قومٍ جعلوا حياتَهم لهوا ولغوا وعبثا، فخسروا أوقاتَهم، ودمروا أعمارَهم، ونسوا ربَهم، وسودوا صحائفَهم.

اللهم تقبل منا أحسنَ ما عمِلنا، وتجاوز عن سيئاتِنا في أصحابِ الجنةِ وعد الصدقِ الذي كانوا يوعدون.

ربنا إننا ظلمنا أنفسَنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنة وقنا عذاب النار.

سبحان ربك رب العزةِ عما يصفون، وسلامُ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

واحات الهداية ...

السلف والوقت

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره..

إخوةَ الإيمانِ

حديثُ اليومِ عن الجوهرةِ الثَّمِيْنَةِ في نظرِ العارفين ، والطاقةِ المُهَدَرَةِ عندَ البَّطَالِيْنَ ،عن واحدٍ من جوانبِ النِّعْمَةِ المَغْبُونِ فيها كثيرٌ من النَاسِ ، عن الوقتِ بل عن الحياةِ ، فالوقتُ هو الحَياةُ .

والمسلمُ يستشعرُ قيمةَ الزمنِ ، وأهميةَ الوقتِ من آي القرآنِ الحكيمِ، فاللهُ قد أقسمَ في كتابِهِ أكثرَ مِنْ مَرَّةٍ بِالوَقْتِ ، وله أنْ يَقسِمَ بَمَا شاءَ لكنَّهُ لا يَقسمُ إلا بعَظيمٍ يَستَحِقُ القَسَمَ .

قال تعالى: (( وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ* وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ* هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ ) ) (سورة الفجر: 1-5) .

ومعَ مَا قيل في تأويلِ الفجرِ ، والليالي العشر، والشفع والوتر والليل، فالذي يُلفتُ النَّظَرَ، أنَّ هذا القسمَ لِعَظَمتِهِ ، وأهميةِ المُقسَمِ بِهِ إنَّما هو لأصحابِ العُقُولِ الذِيْنَ ، يَعْقِلونُ مَا يَسْمَعُونَ ، ويستفيدون مما يعلمون (( هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ ) ).

وإنَّما سُمِّيَ العقلُ حجرًا لأنَّه يَمْنَعُ صاحبَهُ من تَعاطِيْ مَالا يَليقُ بِهِ من الأفعالِ والأقوالِ ، وهذا القسمُ هو بأوقاتِ العبادةِ ، وبنفسِ العِبادةِ ، من حجٍ ، وصلاةٍ ، وغيرِها، كما يقولُ المفسرون [1] .

وقال تعالى: (( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى* وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى* وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ) ) (سورة الليل: 1، 4) .

وهل الليلُ والنهارُ إلا مَراكبُ يَختلفُ الناسُ في سبلِ الانتفاعِ بهما ، فمغبوطٌ يستثمرُها في طاعةِ اللهِ ، ويزرعُ فيهما ما يَبلغُهُ إلى اللهِ ، ويسعدُ يوم لقاءِه ، ومَغبونٌ مُضيعٌ لساعاتِ الليلِ والنهارِ، مُفرِطٌ على نفسِه، يَحملُ الأوزارَ التي تثقلُ كاهلَه يوم العرضِ على اللهِ ، وصَدَقَ اللهُ: (( إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ) ) (سورة الليل:4) .

ويُقسمُ اللهُ مرةً ثالثةً بالدهرِ فيقولُ: (( وَالْعَصْرِ* ِإِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) ) (سورة العصر) .

والعصرُ هو الزمانُ الذي يَقعُ فيه حَركاتُ بني آدمَ مِنَ خيرٍ وشرٍ ، واللهُ تعالى يُقسِمُ أنَّ بَنِيْ الإنسانِ كُلَّهُم في خِسَارَةٍ، وهَلاكٍ إلا مِنْ اسْتَثْمَرَ وقتَهُ، واستنفدَ عمرَه في عملِ الصَّالِحَاتِ [2] .

كما أقسم تعالى بالضحى والليل.

إخوةَ الإسلامِ

يهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم بسنتيه القولية، والفعلية إلى استثمارِ الوقتِ بِمَا يَنْفَعُ ،ويَحذرُ من إضاعةِ الأوقاتِ سُدى فيقول: (( نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فيهما كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ: الصحة والفراغ ) ) [3] .

وتأملْ قولَهُ: (( كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ) )!

والمعنى أنَّ الذي يُوفِقُ لاستثمارِ هاتين النِّعْمَتَينِ بما يَنفعُ قَلِيلٌ.

قال ابنُ الجوزي: قد يكونُ الإنسانُ صحيحًا، ولا يكونُ مُتفرغًا لشُغلِهِ بالمعاشِ ، وقد يكونُ مستغنيًا ، ولا يكونُ صَحِيحًا، فإذا اجتمعَا فَغَلِبَ عليه الكُسَلُ عَنْ الطَّاعَةِ فهو المغبون، وتمامُ ذلك أنَّ الدُنيا مَزْرَعَةُ الآخرةِ ، وفيها التَّجارةُ التي يَظهَرُ ربحُها في الآخرة، فمن استعمل فراغَه وصحتَهُ في طاعةِ اللهِ فهو المغبوطُ، و من استعملها في معصيةِ اللهِ فهو المغبونُ ، لأنَّ الفراغَ يَعقبُه الشُغلُ ، والصحةَ يعقبُها السقمُ، ولو لم يكن إلا الهرمُ كما قيل.

يسرُّ الفتى طولُ السلامة و البقا فكيف ترى طولَ السلامةِ يفعل

يرد الفتى لمجد اعتدال وصحة ينوء إذا أمَّ القيامَ و يحمل [4]

ولقد كانَ استثمارُ الوقت أحدَ نصائحٍه، وضمنَ مواعظِه عليه الصلاة والسلام لأصحابِه يقول- وهو الناصحُ الأمينُ- لرجلٍ وهو يعظه: (( اغتَنِمْ خمسًا قبل خَمْسٍ: شبابَك قبل هرمِك، وصحتَك قبلَ سقمِك، وغناكَ قبل فَقْرِك، وفِراغَك قبلَ شُغلِك، وحياتَك قبلَ موتِك ) ) [5] .

فإذا كانت تلك طائفةً من سنته القولية ، فيكفي أن ينظرَ اللبيبُ فيما عَمِلَ وخلف في مدة لا تتجاوزُ ثلاثة وعشرين عامًا، لقد أخرج اللهُ به الناسَ من الظلمات إلى النور، علم العلم وفاق غيره في العمل، وزرع الخيرَ واقتلع جذورَ الشرِ، جاهد في الله في كل ميدانٍ ، وخلَّفَ أجيالًا تحمل مشاعلَ النور والهُدى من بعده.

أيها المسلمون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت