الحرج من هذا الواقع المرير مرهون بأن نقف أمام أنفسنا وقفة صادقة ، وأن نعترف بسبب المشكلة أولًا ، وهو هنا عدم وجود دليل واضح ومنهج أصيل تسير على هدْيه الأجيال الإسلامية ، ثم الانفصال بين مفهومين للإسلام في أذهان هذه الأجيال: مفهوم تقدمه فئة غير مقتنعة بالإسلام ولا تبالي بأي واد هلك ، إسلام مقطع الأوصال ، مشوه القسمات ؛ ومفهوم آخر تبحث عنه هذه الجموع المتعطشة التي فقدت ثقتها بكل شيء ، وانهارت أمام عيونها كل المناهج المستوردة والمفروضة ، وهي في خلال بحثها عنه تلاقي الجفاء والمقت ، وتعاني من الإنكار والجحود.
وما لم يكن هناك اعتراف بهذه الحقيقة فإن جهودنا أفرادًا وجماعات ستذهب سدى ، وسنبقى حيث نحن ، هدر للطاقات ، وتضحية بالكفاءات ، ومطاردة دائمة... حتى يأتي يوم نفقد فيه الطِّراد حيث نفقد الطرائد.
الهوامش:
1-شطر بيت لسلامة بن جندل وصدره: إنا إذا ما أتانا صارخ فزع …
والصارخ: المستغيث ، والصراخ: الإغاثة. والظنابيب: جمع ظُنبوب ، وهو ظاهر الساق. ويمكن أن يستعار هذا المعنى للدلالة على الرد بعنف على الاحتجاج.
الفراغ وأثره في النفس والمجتمع
د. عبدالله سلطان السبيعي
اتجه العلم الحديث لأسباب تاريخية إلى فصل العلم عن الدين، والابتعاد عن قبضة الكنيسة ورجال الدين ، ولسوء حظ بلاد العرب والمسلمين فقد استورد هذا الاتجاه بما فيه من خطر عظيم لعدم وجود البديل وهو الفكر الإسلامي.
أنا لا أدعي وأنا أكتب هذا المقال أنني أعرف في الدين أكثر مما يعرفه الشخص العادي، وهذا نقص أعترف به ، ولكنني هنا أحاول أن أعكس ما تعلمته وأربط ما أعلمه من طب وعلم النفس مع عقيدتي الإسلامية. هذا ليس هو الطريق لأسلمة العلم ، الشيء الذي يقصد به أكثر من ذلك لعل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه من القول والعمل.
قرأت مؤخرًا آية من كتاب الله هي قوله تعالى في آخر سورة الشرح (( فَإذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وإلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ) ). قرأت تفسير هذه الآية في أكثر من مرجع فإذا هي مخاطبة للرسول -صلى الله عليه وسلم- بأن يتوجه إلى الله بالعبادة بعد أن يفرغ من شغله مع الناس ، وأن ينصب في ذلك ويتوجه إلى الله بكل ما يفعله.
المعنى الذي استشعرته من الآية والذي ينطق على كل إنسان مهما كان هو معنى الفراغ بمعناه الشامل ، أي إذا انتهى الإنسان من أي عمل كان ، ووجد نفسه فارغًا ، لا يجد شيئًا يفعله ، توجهه الآية الكريمة أن يبحث عن شيء يشتغل به ،ولكن الآية لا تترك التوجيه هكذا عائمًا يفسره كل حسب هواه ، إنها توجهنا ، ألا يكون ما نشتغل به لمجرد شغل الفراغ ولكن يجب أن يخضع لضابطين أساسيين هما: النصب ،والنية الصالحة.
وإذا انتقلنا إلى الكلام عن الفراغ وما يجر إليه من مفاسد وذلك في ظلال هذه الآية وهذا المفهوم؛ نجد:
أولًا: أن الفراغ سبب أساسي في الكثير من أمراض العصر النفسية والجسمية ، لا يختلف الأطباء أبدًا في أثر الفراغ في الجسم البشري أو حتى الحيواني وأنه يؤدي إلى تصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والروماتيزم والجلطات القلبية والدماغية ،وهم أيضًا لا يختلفون كذلك أن الفراغ وراء الاكتئاب والقلق النفسي والهم.
ثانيًا: الفراغ يجعل الإنسان يشعر بأنه لا فائدة له، وأنه عضو مشلول في المجتمع لا ينتج ولا يفيد. فالإنسان الفارغ لا يترقب شيئًا تهفو إليه نفسه كنتيجة لعمله ، فهو بلا هدف في الحياة وأي حياة هذه التي لا هدف لها.
ثالثا: الفراغ وسيلة من وسائل إبليس يوسوس فيها للإنسان فيثير فيه كوامن الغرائز ويلهبها فتحرقه وتفلت من لجامها لتحرق ما حوله. وهذه حقيقة لا مراء لها.
رابعًا: الفراغ سبب للمشاكل الأخلاقية والجريمة، ويشهد بهذا علماء الاجتماع، إذ وجد أن نسبة الجرائم والمشاكل الأخلاقية تتناسب طردًا مع نسبة البطالة في أي زمان ومكان.
خامسًا: الفراغ سبب في كسب الذنوب مثل التفكير في المعاصي والحديث في الناس ، وما إلى ذلك.
سادسًا: الفراغ تعيل للطاقة وقد قال صلى الله عليه وسلم ما معناه:أنه لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع..."ومنها:وعن عمره فيم أبلاه. فلا حول ولا قرة إلا بالله ولنعد مرة أخرى إلى الشرطين الذين وضعتهما الآية الكريمة لعلاج هذا الداء (الفراغ) ، ألا وهما:"
1-النصب: (بفتح الباء) أي إن مشاهدة التلفزيون وقضاء الساعات أمامه وقراءة الجرائد الهزيلة وما إلى ذلك ليس مما يداوي هذا المرض ويمنع الخلل الذي يجره على الإنسان ومن خلفه المجتمع الذي هو عضو فيه. الشرط هنا هو التعب أي أن يجهد الإنسان نفسه فالتعب وحده هو الذي يصرفه عن ما ذكرناه من عواقب الفراغ الوخيمة.
2-الرغبة إلى الله: أي التوجه إليه وقصده وحده بما تجهد فيه نفسك وهذا ليس فقط لربط الدنيا بالدين كما هو هدف القرآن في كل توجيه ولكنه أيضًا الوسيلة الوحيدة لسلسلة أخرى من المشاكل، ألا وهي التسيب وانخفاض مستوى الكفاءة الإنتاجية في العمل، وهذا من اكبر المعضلات في علم الإدارة. لا يمكن أن يردع الإنسان ترغيب ولا ترهيب أن لا يقصر في عمله أو يخون صاحب العمل سواء كان فردًا أو حكومة ، لكنه الخوف من الله سبحانه والعلم بأنه مطلع على كل ما نعمله وحتى ما تخفيه الأنفس. هذا الخوف من الله هو المقصود بالآية، فالعامل يخلص العمل ليس رغبة في تقدير صاحب العمل وحفنة من المال، ولا خوفًا من العقاب إن هو قصر ولكن رغبة في ما عند الله، ومن ثم الجزاء نقدًا (حاضرًا) بالشعور بالراحة النفسية والسمعة الحسنة والكسب المادي ، ومؤجلًا بما عند الله جزاء النية الصادقة والضمير اليقظ .
لا أجد داعيًا لأعود فأتحدث عن ما يفعله التوجيه الإلهي في هذه الآية ، إذ ينقضّ على معول من معاول الهدم فيحطمه ويرى الإنسان المسلم كيف يبنى بنيانه على أساس من الإيمان يرتبط فيه علم النفس بعلم الاجتماع بعلم الإدارة بالطب البشري.
الفراغ
إسماعيل بن صالح آل عبد الرحيم
أحسب أن المجتمع يستطيع الخلاص من مفاسد كثيرة لو أنه تحكم في أوقات فراغه ، لا بالإفادة منها بعد أن توجد ، بل بخلق الجهد الذي يستنفد كل طاقة ، ويوجه هذا وذاك إلى ما ينفعه في معاشه ومعاده ، فلا يبقى مجال يشعر امرؤ بعده أنه لا عمل له.
إن الفراغ في الشرق يدمر ألوف الكفايات والمواهب ، ويخفيها وراء ركام هائل من الاستهانة والاستكانة ، كما تختفي معادن الذهب والحديد في المناجم المجهولة!
يروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: إني لأرى الرجل فيعجبني ، فإذا سألت عنه فقيل لا حرفة له ، سقط من عيني.
وقال أيضًا: إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللًا (أي فارغًا) لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة..
وقال حكيم: من أمضى يومًا من عمره في غير حق قضاه ، أو فرض أداه ، أو مجد أثله ، أو حمد حصله ، أو خير أسسه ، أو علم اقتبسه ، فقد عق يومه ، وظلم نفسه!
والفراغ داء قتال للفكر والعقل والطاقات الجسمية ، إذ النفس لابد لها من حركة وعمل ، فإذا كانت فارغة من ذلك تبلد الفكر وثخن العقل وضعفت حركة النفس واستولت الوساوس والأفكار الرديئة على القلب ، وربما حدث له إرادات سيئة شريرة ينفس بها عن هذا الكبت الذي أصابه من الفراغ (1) .
وقد نبه المصطفى -صلى الله عليه وسلم- إلى غفلة الألوف من الناس عما وهبوا من نعمة العافية والوقت فقال: «نعمتان من نعم الله مغبون فيها كثير من الناس: الصحة والفراغ» (2) .