وليس هذا حديثًا مكتملًا عن البث المباشر بقدر ما هو إشارة إلى نوع خطيرٍ يُزْجي به بعضُ المسلمين أوقاتهم، وأنصح بقراءةِ الكتب المؤلفة عن البث المباشر وسماع المحاضرات النافعة في هذا المجال للتعرف على المخاطر ووسائل العلاج، والله من وراء القصد
الغفلة والفراغ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين وبعد .
غفلة المؤمن عن الأعمال الصالحة المقربة إلى خالقه مذمومة شرعا وعقلًا وقد وردة آيات كثيرة في ذم الغافلين، والتحذير من أحوالهم قال تعالى: (( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) ) (الأعراف:179) .
ويقول تعالى: (( وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ *أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) ) (يونس: 7-8) .
وأكثر الناس في غفلة عن آيات الله كما قال تعالى: (( وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ) ) (يونس: 92) .
ولكنهم في درجات متفاوتة.
الدرجة الأولى:
هناك غفلة عن المسابقة إلي الخيرات في الأمور العظيمة كطلب العلم، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله .
والغفلة عن هذه الأمور مهلكة لصاحبها؛ خاصة إذا كان لا يعذر بتركها ومن هو أهل للقيام بفروض الكفاية. ويدخل في ذلك العلماء، وطلبة العلم، وأساتذة المدارس الشرعيين، والجامعات، وكل من هو أهل للقيام بهذا الواجب.
وهذا النوع من الناس يجب عليه من الشرع ما لا يجب على غيره ، وهو داخل في قوله تعالى: (( وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ) ) (آل عمران: 187) .
وتلك الواجبات السابقة ميثاق غليظ، وعهد ثقيل بين العبد وربه؛ أوجب عليه أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علمه الله ولا يكتمه بالغفلة والكسل. ولا يقتصر الواجب على إجابة من سأله بل لابد من الدعوة والتبليغ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر، ومحاربة دعاة الفساد والرذيلة، والرد على المنافقين، والمشككين بالأصول وثوابت الشرع المطهر .
وغفلة عن هذه الأمور العظيمة قد تودي به إلى مز الق خطيرة من حب الدنيا وشهواتها والإغراق في المباحات، ثم التهاون بالصغائر، ثم غشيان الكبائر،عياذا بالله تعالى ..
فلا محيص عن أخذ النفس بالقوة وأطرها على ما أوجب الله تعالى عليها من التاكليف والأخذ بالعزيمة المنجية من عذاب الله
الدرجة الثانية: وهناك غفلة تقع على عامة الناس كالتهاون في صلاة الجماعة، وتأخير الزكاة، وإهمال كفارات الأيمان ، والنذور، وإهمال تربية الأولاد وتعليمهم، وبر الوالدين وطلب العلم الضروري الذي لا يعذر أحد بتركه كواجبات الطهارة ونوا قض الوضوء ومبطلات الصلاة ..
فمن كان هذا حاله فإنه حتما سيقع بشباك المعصية وظلمات الهموم، والمغموم، المنغصة لحياته وسيفقد الاحترام والتقدير من الخلق، عقوبة له، خاصة إذا عرفوا منه أنه أهلا للقيام بهذه الواجبات .
فمن كان هذا حاله فلابد أن يقف مع نفسه وقفة صادقه ، ويصبر ويصابر على طاعة مولاه سبحنه وتعالى قال تعالى: (( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) ) (العنكبوت: 69) .
وقال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ) (آل عمران:200) .
الدرجة الثالث: وهناك غفلة تغشى الفسقه، والمنحرفين وهذا النوع من الناس لا هم له إلا إشباع نفسه من اللذائذ المحرمة وغير المحرمة.قلبه مع الشيطان يذهب به في كل واد ومنحدر فمرة بالسفر إلى الدول الفاجرة التي لا تفرق بين الحلال والحرم ثم يعرج به إلى أماكن البغاء والرذيلة أو ينتقل به شيطانه إلى واد آخر، كالسخرة بالدين وأهله والثناء على الغرب الكافر وتقليدهم في لباسهم وأخلاقهم والدعوة إلى ذلك.
ثم التشكيك بالثوابت الشرعية المرعية وأصولها . ثم يعرج به شيطانه إلى الشك في أصل الاعتقاد والإيمان بالله والدار الآخر والإيمان بالرسل والكتب المنزلة عياذا بالله تعالى وهذا النوع من الناس يعجز في الغالب أن يقف مع نفسه ويحاسبها وهو على تلك الحال المظلمة. فلابد من أن يوفّق إلى أسباب مقربه كأن يصاب بوفاة قريب أو مصيبة مفاجئه وكما يقال ربما صحّت الأجسام بالعلل ومما سبق ذكره يعلم أن الغفلة درجات وظلمات بعضها أهون من بعض فيتحتم على المؤمن اليقظة والحذر من الغفلة كم سمعنا ورأينا ممن من الله عليهم بالهداية والاستقامة وحفظ كتاب الله والإقدام على مجالس العلم والدعوة ثم تنقلب أحوالهم بسبب الغفلة والإهمال والتقصير في الأعمال الصالحة نسأل الله الثبات على دينه .
العلاقة بين الغفلة والفراغ
اعلم أن الفراغ سبب رئيس للغفلة، فمن أغلق باب الفراغ فقد أغلق باب الغفلة ثم تُغلق أبواب عظيمة من الشرور والفتن والمصائب والفراغ نعمة ونقمة على العبد؛ وكل عاقل مدرك لابد أن يختار فراغ النعمة المقرب إلى الله والدار الآخرة والباعث على العمل والجد في دروب الخير ولهذا فرق لله - وهو العليم الحكيم بعبادة - بين الذي يعمل والذي لا يعمل في آيات كثيره منها قال تعالى: (( أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ) ) (الجاثية: 21) .
وقال تعالى: (( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ) ) (القلم: 35) .
فمن وجد في نفسه غفلة فليعلم علما جازما أنه قد فرط في وأوقات كثيره ثم تأتي بعد ذلك المحاسبة واللوم والحسرة على ذلك والحسرة في الدنيا لا تقارن بحسرة الآخر كما قال تعالى: (( وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) ) (مريم: 39) .
قال بن سعدي: أحق ما ينذر به ويخوف به العباد يوم الحسرة حين يقضى الأمر فيجمع الأولون والآخرون في موقف واحد ويألون عن أعمالهم فمن آمن بالله ورسله سعد سعادة لا يشق بعدها أبدا ومن لم يؤمن بالله ويتبع رسله شقي شقاوة لا يسعد بعده وخسر نفسه وأهله وحينئذ يتحسر ويندم ندامة تنقطع منها القلوب وتتصدع منها الأفئدة وأي حسرة أعظم من فوات رضى الله وجنته واستحقاق سخطه والنار على وجه لا يمكن الرجوع ليستأنف العمل ولا سبيل إلى تغير حاله بالعودة إلى الدنيا لابد أن يتذكر كل مؤمن أنه عبد مكلف حتى الوفاة ولا ينقطع التكليف في أي وقت من الأوقات لا في الإجازة الصيفية ولا في غيرها قال تعالى: (( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) ) (الحجر:99) .
وأخيرا: بادر أخي الكريم باستغلال هذه الأيام التي تكثر فيها الغفلة ويطول فيها الفراغ بادر بالأعمال الصالح المنجّه من عذاب الله يوم القيامة .
أسأل الله عز وجل أن جعل خير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم نلقاه وصلى الله وسلم على نبنا محمد
الوقت والفراغ
قال الشاعر: