اغتنم في الفراغ فضل ركوعٍ فعسى أن يكون موتك بغته
كم صحيحٍ رأيت من غير سقمٍ ذهبت نفسه العزيزة فلته
وقال آخر:
والوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع
وقال آخر:
نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوحْ
لست بالباقي وإن عمّرت كنوحْ
وقال آخر:
أتسمع الطير أطال الصياح وقد بدا في الأفق نور الصباح
ما صاح إلا باكيًا ليلةً ولّت من العمر السريع الرواح
وقال آخر:
أذان المرء حين الطفل يأتي وتأخيرك الصلاة إلى الممات
دليلٌ على أن محياه يسيرٌ كما بين الأذان إلى الصلاة
وقال آخر:
إنَّ الفراغ والشبابَ والجِده مفسدةٌ للمرءِ أيُّ مَفسده
وقال آخر:
يا أيها الغافل جد في الرحيل وأنت في لهو وزاد قليل
لو كنت تدري ما تلاقي غدًا لذبت من فيض البكاء والعويل
فاخلص التوبة تحظى بها فما بقي في العمر إلا القليل
ولا تنم إن كنت ذا غبطة فإن قدامك نوم طويل
يقول أحمد شوقي:
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق و ثواني
من مخاطر الفراغ
الحمد لله رب العالمين وفق من شاء لطاعته فهداه واجتباه، وأضل من شاء عن سلوكِ صراطهِ السوي فأتعسه وأشقاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بيده مفاتيح الخير لا مانع لما أعطى، ولا راد لما قضى، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله أنقى البشرية وأزكاها نفسًا وأطيبُها خُلُقًا، اللهم صلي وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله المؤمنين الطاهرين، وارض اللهم عن صحابته الغرِّ الميامين، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد... فاتقوا الله يا عباد الله واخشوا يومًا ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كلُّ نفس ما كسبت وهم لا يظلمون.
إخوة الإيمان: لا يخفى عليكم أهمية الوقت وقيمة استثمار الزمن عند السلفِ الصالحين، وفي معرفة ذلك شحذٌ للهمم ودفعٌ للعزائم، واسترشادٌ وتأصيل وتأسٍّ بسير خير القرون، فمهما بلغنا في استثمار أوقاتنا في أنواع العبادات والطاعات، ومهما تنوعت دروسُ العلم وأوعب العلماء، ومهما بلغ اهتمامُنا بكتاب الله وانتشرت حلق التحفيظ وكثر الحافظون، وانتشر الدعاةُ ونشط الآمرون بالمعروفِ والناهون عن المنكر، ومهما تنوعت سبلُ الجهاد في سبيل الله، وأنّى كان المرابطون، وحيثما كانت الثغور، وكيفما أنفق الخيِّرون وأحسن المحسنون، مهما بلغنا في ذلك وغيره من مجالات الخير ففي تجارب سلفِ الأمةِ درس وعبرة، وفي جهادهم وأحوالهم هممٌ موقظة، وفي قراءة سيرهم دعوة للخير متجددةٌ مستمرة، وإذا كنا دائمًا نتغنَّى بأمجاد السابقين فليست مآثرُهم قصصًا خياليةٌ نُسلي بقراءتها أنفسنا، وليست شخوصُهم دُمًَا مُحنَّطةً نظُنُّ أنه يكفينا أن نُمعن النظر فيها لتجلوا أحزاننا أو تخفف من مآسينا.
كلا فلابد من القراءة بوعي، ولابد من الجد والحزم، وتعالوا بنا لنصارح أنفسنا ونقارن بين واقعنا وواقعهم، ولنعلم الفرق بين استثمار أوقاتِنا وأوقاتِهم.
وحين المصارحة لابد من القولِ أن فينا من يحسُّ بالوقت عبئًا على كاهلِه لا يدري بماذا يصرفه، وكم هو مؤلم أن تسمعَ في مجتمع المسلمين من يقول: تعال بنا لنضيع الوقت، وربما خفف العبارة آخرون فقالوا: هيا بنا لنقضي الوقت ومؤداهما واحدٌ إذا كان الاجتماعُ لتزجية الفراغ بما لا ينفع، وأشدُّ إيلامًا إذا كان الوقتُ يُقضى بما يضرُّ ولا ينفع.
إن حياة المسلم لا مكان فيها للإضاعة والتفريط، وإن جراحات المسلمين لفتت أنظار الكافرين، فكيف تغيب عن المسلمين فيظلون لاهين لاعبين ؟
وإذا أباح الإسلامُ للمسلم الترويح عن النفس ساعةً وساعة فذلك محكوم بضوابط الشرع، والهدف منه تجديدُ النشاط والحفاظُ على النفوس من الكلل والملل، لكن أن تتحول الحياة إلى لهوٍ ولعب وإضاعة للوقت في معظم الأوقات وتصبحُ الجِّدِّيةُ واستثمارُ الأوقات حدثًا طارئًا وحالة استثنائية في الحياة فذلك انتكاسٌ في المفاهيم لا يُسأل عنه الإسلام وسيحاسب عليه المسلمون.
وقولوا لي بربكم: من يمضي سحابةَ النهار بالنوم، ويمضي ساعات الليل في السهر بما لا فائدة فيه وسواء كان على الأرصفة أو غيرها هل استثمر وقته واستفاد من عمره؟ والمصيبةُ أدهى وأعظم إذا كان هذا الصنفُ من شبابِ الأمة وأملِها في المستقبل؟ وإنه لحق على الخيرين أن ينصحوا لإخوانهم الغافلين وأن يصدقوا ويتلطفوا لهم في القول، فما خاب من كان سلاحُه في الدعوة: الصدق والإخلاص واللين، وإن في هؤلاء الشبابِ من يسمع ويستجيب، وفيهم طيبُ القلبِ حصيفُ العقل، لكنها الغفلة والشرودُ، ودواؤها الكلمةُ الطيبةُ، والموعظةُ بالحسنى، وعدمُ اليأسِ والإعراضِ والصدود؟
إخوة الإسلام: وكيف يستثمرُ وقته من يمضي الساعاتِ الطوال في مشاهدة الأفلامِ الهابطة، أو سماع الكلمات والألحان الغرامية الساقطة، أو قراءة الصحف والمجلات ذات الفكر المنحرف وحاملات الصور الرخيصة، والمتخصصات في أركان التعارفِ المشبوهة، والدعوة للعري والتحلل من القيم والفضيلة.
معاشر المسلمين: إن من الخطأ أن نتصور أنّ عالم اليوم عالم غزو للفضاء فحسب، وننسى أنه عالمُ غزوٍ للأفكار رهيب، وعالمُ حربٍ للعقائد والقيمِ مُسَيَّسٌ مدروس، وإن من البساطة والتغفيل أن نتصور أن هذا المشهد المخرج يهدف إلى المتعة والتسلية لا أكثر، وأن هذا البرنامج المعد يرمي إلى الثقافة المجردة ليس إلا، كلا ؛ فطمسُ الهوية الإسلامية وتذويبُ شخصيتنا والسيطرةُ على أدمغتنا هدفٌ يراهن عليه الأعداء، ومن آخر وأخطر وسائلهم لذلك: التلفزيون والبثُ المباشر، هذا الغزوُ الذي تحفزنا لمواجهته في البداية - كعادتنا - ثم بدأ البعضُ منا يستسلم له.
أجل لقد خصصت الصحافةُ العالميةُ والمحليةُ حيزًا من زواياها للتحذير من هذا الغول الجديد -ولكننا مع الأسف أمةٌ لا تقرأ، أو تقرأ ولا تستفيد مما تقرأ- ومن العناوين المثيرة في هذه الصحافة - وأكتفي بذكرها- «اختراق يقصم الظهر» «لكي لا نفقد الهوية» ، «ماذا فعلنا لمواجهة الغزو التلفزيوني» ، «هجمات تلفزيونية على الخليج» ، «البث المباشر الاستعمار الجديد» .
وكيف لا تثار هذه العنوانات، وتتعالى هذه الصيحات والمخطط مدروس والهدف مرسوم، وهذا رئيسُ المخابرات الأمريكية يعلنها صراحة ويقول:"إن إستراتيجيتنا يجب أن تتجاوز التعامل مع القادة إلى الشعوب، وذلك أن القادة قابلةٌ للتغير، وأما الشعوبُ فثابتة، ومن أهم وسائل تحقيق هذا التوجيه: التلفزيون، فهو الوسيلةُ القادرةُ بطبيعتها على السيطرة على أدمغة الشعوب".
وحتى يستيقظ الغافلون، وعسى أن يستدرك المسلمون، انقل لكم صيحة مفكرٍ أنذر بخطر البث المباشر فأعذر، يقول الدكتور فهمي هويدي:"إن هذا الاستعمار خرج من شوارع المدن، لكن سيعود عن طريق البث المباشر، وعودته هذه المرة ليست إلى الأسواق فقط ولكن عاد ليشاركنا السكن في بيوتنا، والخلوةَ في غرفنا، والمبيت في أسرَّة نومِنا، رجع ليقضي على الدين واللغةِ والأخلاق، كان يُقيم بيننا بالكُره -يعني الاستعمار- ولكن عادَ لنستقبله بالحبِّ والترحاب، كنا ننظرُ إليه فنمقته، أما الآن فنتلذذ بمشاهدتهِ والجلوسِ معه، إنه الاستعمارُ الجديد، إنه خطرٌ يهدد الجيل الجديد كله".