تلك المشاهد التي لاعبت قلب ذلك الرجل المسلم هي نوع من الاختبار. هي الفتنة فهل ينجح المسلم والمسلمة في هذا الامتحان حينما تعرض تلك الفتن بأنواعها وألوانها ومغرياتها فيقف أمامها كأنه طود شامخ خاصة والله - تعالى - أكرمنا بجوارح نميز بها بين الخير والشر وعند عرض هذا البلاء على النفس ينتصر الإنسان على غلبة الهوى... عندها يتميز من بين الركام العظيم فيكون مسلمًا حقًا حقًا. وتعلو نفسه ويهدأ أنينه ويحفظ عفافه. وفقنا الله وإياكم لذلك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد إمام المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
خواطر في زمن الصحوة
د. نهى قاطرجي
يتساءل المسلم وهو على مشارف عام ميلادي جديد عن دور المسلمين في مواجهة العولمة الأميركية - الصهيونية - التي تهدف إلى إلغاء الدين والهوية واللغة؟ ويأتي التساؤل أيضًا عن موقع الإسلام في قلوب أبنائه؟ وهل صحيح ما يقال من أن الصحوة الإسلامية تأخذ طريقها بين أبناء المسلمين؟ وأنها لا بد أن يكون لها دور مستقبلي في مواجهة الأخطار والتحديات القادمة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست من قبيل التنبؤ ولكنها من قبيل الاستقراء للأحداث التي حصلت في القرن الحالي، ومن قبيل يقين المسلم بأن العزة لهذا الدين ولو بعد حين.
إن مما يستطيع أن يدركه أي مسلم عايش الفترة الزمنية الممتدة من السبعينيات إلى الآن، هو وجود بذور صحوة إسلامية لم تكن موجودة فيما قبل، فإذا أمكن الحصول على فيلم فيديو يصور الحياة اليومية في أحد الشوارع العربية (ذات الأغلبية المسلمة) في فترة السبعينيات ومقارنتها بفيلم آخر للشارع نفسه في يومنا هذا يلاحظ بسهولة تغيرات بين ذاك الزمن وهذا.
لقد كان الناس - في تلك الأيام - يفتتحون يومهم بالاستماع إلى فيروز وإلى الأغاني الكلاسيكية، وكانت أصداء هذه الأصوات تملأ آذان المارين أمام المحلات التجارية في طريقهم إلى مدارسهم أو مراكز عملهم؛ أما اليوم فإن هذا الفعل قد استبدل - بفضل من الله - تعالى - وأصبحت آيات القرآن الكريم تصدح في المحلات التجارية وداخل البيوت أيضًا، فإذا فتحت النافذة صباحًا تأتيك آيات القرآن الكريم أو يأتيك صوت العالِم أو الخطيب الذي يلقي درسًا أو خطبة دينية تستمع إليها ربة المنزل وهي تقوم بأعمالها المنزلية.
ويمكن أيضًا بالمقارنة بين صور الناس في تلك الفترة وصورهم اليوم، أن يُلحظ اختلاف واضح في لباس الناس بين هاتين الفترتين، ففيما كان الحجاب نادر الوجود في تلك الفترة نتيجة الانقلاب الذي قامت به بعض النسوة تحت شعار الحرية، أصبح الحجاب - وبرغبة من المرأة أيضًا - لباسًا إسلاميًا تفخر به المرأة، وتتمسك به تمسك افتخار وتحدي، أما المسلم الملتحي الذي كان فيما مضى نادر الوجود، فقد أصبح وجوده اليوم أمرًا عاديًا لا يلفت انتباه المارة.
إن هذه الأمور جد مهمة، لأنها إنما تعبر عن تمسك المسلمين بأوامر الله - عز وجل - الذي أمر باتباع دينه ونهى عن متابعة أهل الكتاب، قال - عز وجل -:"ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، قل إن هدى الله هو الهدى، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير" [سورة البقرة، الآية 120]
قال الإمام ابن تيمية في تفسير هذه الآية:"فانظر كيف قال في الخبر"ملتهم"وفي النهي"أهواءهم"لأن القوم لا يرضون إلا باتباع أهوائهم من قليل أو كثير، ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه، أو مظنةٌ لمتابعتهم فيما يهوونه" [اقتضاء الصراط المستقيم، ص15]
إن في ترك التشبه بالكفار ترك لاتباع الهوى وتمسك بالعقيدة، لأن من فعل هذا الأمر مختارًا إنما يفعله نتيجة إدراك داخلي بوجود آمر يأمره بفعل هذه الأمور، وبما أن الأمر في مثل هذه الحالة لا يمكن أن يكون نابعًا عن النفس وعن الشيطان لكونهما لا يأمران بمعروف ولا ينهيان عن شهوة ولذة، فإنه في هذا الحالة لابد أن يكون نابعًا عن إيمان بالله الذي أمر عباده بالمعروف ونهاهم عن المنكر.
إن ميزة هذه الأفعال أنها ليست فردية، كما أنها - إن شاء الله تعالى - في تزايد مستمر، مما يجعل المراقب المحايد يتيقن أن الأمر اليوم يختلف عما سبق، وأن الدافع وراء هذه التصرفات ليست دوافع آنية فردية؛ بل هي نابعة عن صحوة إسلامية في نفوس أبناء الإسلام الذين نفضوا عن أنفسهم غبار الهزيمة والانحطاط وعادوا إلى أصالتهم وتمسكهم بدينهم.
وفي محاولة لمعرفة دوافع هذه الصحوة وتحليل بعض مسبباتها، يمكن ذكر ما يلي:
1 -فشل الحلول المستوردة ووعود التيارات المتغربة، التي كانت منتشرة بين الناس في تلك الفترة الماضية، والتي نجحت في السيطرة على المجتمع الإسلامي وبث السموم في نفوس المسلمين عبر المدارس والجامعات، وعبر إرسال البعثات التعليمية إلى الخارج التي كان لها دور في الدعوة إلى اللحاق بركب الحضارة الغربية ونبذ التخلف والتراجع الذي كان متمثلًا - بنظر المُبتعثين - بالتمسك بالدين والهوية الإسلامية.
2 -انتشار العلم الشرعي بين الناس وسهولة الحصول عليه، فانتشر العلم بين الخاصة والعامة ولم يعد مقصورًا على طبقة العلماء فقط، فأصبح من السهل على كل طالب علم أن يلتحق بالمعاهد والكليات الشرعية أو يلتحق بحلقات العلم في المساجد والبيوت، كما أصبح من السهل على كل من يريد أن يتعرف على دينه أن يصل إلى مبتغاه عبر وسائل الإعلام المرئية وغير المرئية، تلك الوسائل التي تعنى بنشر العلم الديني وتعريف الناس بمبادئ هذا الدين الحنيف.
3 -عودة الناس إلى الفطرة التي فطرهم الله عليها في عالم الذر، قال - تعالى -:"وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، قالوا بلى شهدنا" [سورة الأعراف، الآية 172]
فالناس منذ آدم يؤمنون بوجود الله - سبحانه و تعالى -، والرسل والأنبياء لم يبعثوا لكي يقولوا للناس أن هناك إلهًا (أي لأن هذا معروف بالفطرة) ولكنهم بعثوا"لتصحيح مسار العقيدة وتقويم الفطرة مما تقع فيه من الضلال"، [محمد قطب، مذاهب فكرية معاصرة ص608]
فإذا قومت الفطرة وذهبت الموانع التي كانت تحول بين الإنسان وفطرته، فلا بد أن يعود إلى الالتزام بشرع الله مصداقًا لقوله - تعالى -:"فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله"
4 -التجاء المسلمين إلى الله - عز وجل - بعد أن أيقنوا أنه لا ملجأ منه إلا إليه، وقد كان لابتلاء الله - عز وجل - بالخوف والجوع والنقص في الأموال والأنفس أثره في هذا المجال، أن سُنة الابتلاء جعلها الله - - سبحانه - و - تعالى - - سبيلًا أمام العبد للإنابة إلى الله والعودة إليه، قال - تعالى -:"ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون" [سورة البقرة، الآيتان 155 - 156]
فهذا الابتلاء من الله - عز وجل - للعباد هو لاختبار صبر الصابرين، ولرفع درجات المؤمنين، وليعلم العبد أن الله هو الخالق الواحد الرازق المحيي المميت، وهو أيضًا الغفار مجيب الدعاء، فهو القائل:"وقال ربكم ادعوني أستجب لكم" [سورة غافر، الآية 60]