{إلاَّ أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29 ] ، يفهم أن الرضا ركن من أركان عقد البيع، والرضا يشمل رضا البائع والمشتري بالثمن، فإن كان البائع قد زاد في سعر المبيع عن سعر يوم العقد معتبرًا الأجل في حسابه فهذا لا يفهم منه أن الإسلام يقر أن للزمن قيمة مالية، بل غاية ما هناك أن هذه معاملة جائزة توافر فيها أركان عقد البيع وشروطه فجازت، كما أن الزيادة هنا ليست مقابل محض التأجيل بل هي مقابل زمن مقترن بسلعة فلو لم تكن السلعة موجودة لم يجز التأجيل، ثم إننا وفيما أعلم لا نجد نصًا من كتاب أو سنة يدل بأي وجه من الأوجه على أن الإسلام قد أقر بوجود قيمة مالية أو اقتصادية للزمن، بل الذي نجده هو أن الإسلام قد جرد الزمن من أي قيمة مالية يمكن أن تحتسب فيما ثبت في الذمة من الديون سواء كان سببها البيع لأجل أو القرض.
الربا: يبرز عامل الزمن في مسألة الربا في ربا النسيئة أي ربا التأجيل، وأخذ تحريمه من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم من قوله «يدًا بيد» أي دون تأجيل البدلين أو أحدهما مما كان الأموال الربوية، ولقد فهم بعضهم من ذلك أن تأخير البدلين يعني أن الذي أخر تسليم ثمنه قد أربى وظلم، وكانت فائدته أكبر وعليه حرم الإسلام تأخير البدلين، وعليه يفهم من ذلك أن الإسلام قد أقر بقيمة مالية للزمن، ويجاب عن ذلك بالقول إذا كان الذي أخر تسليم ثمنه قد كسب الزمن فيكون بذلك جار وظلم، فالحل الأمثل للاستفادة من المعاملة هو أن يقال بجواز أخذ الطرف الآخر للزيادة مقابل تأخر الطرف الأول لثمنه عليه تتحقق العدالة والتساوي، فالأول أخذ الثمن مع الزمن والثاني أخذ المقابل مع الزيادة مقابل الزمن لا أن يقال بتحريم المعاملة بالكلية، لكن الذي نعرفه من الحكم الشرعي هنا هو تحريم التأجيل والزيادة مع اشتراط التقابض والتماثل.
القرض: يتجلى في القرض عامل الزمن في كون المقرض يدفع ماله للمقترض ليقبض بدله «وبنفس قيمته» في المستقبل القريب أو البعيد، ودون زيادة وبأي صورة كانت تلك الزيادة، بالرغم من أن هناك مالًا مدفوعًا مؤجل الوفاء، وبالرغم من ذلك نجد أن الإسلام لم يجز الزيادة هنا مقابل الأجل لأن التأجيل هنا محض أي مجرد زمن عليه فهذا أصرح وأصرخ دليل على أن الإسلام لم يقر بأن للزمن قيمة مالية، بل الذي يفهم منه أن الإسلام لم يعترف أن للزمن المجرد قيمة مالية.
الخلاصة: مما سبق يتضح جليًا أن الإسلام لم يقر بأن للزمن المجرد عوضًا ماليًا، بل الذي يفهم عدم جواز أخذ العوض المالي مقابل مجرد الزمن، ولا يفهم من ذلك أن نقول ليس للزمن قيمة اقتصادية، فلا يستوي في الأجرة استلامها في أول الشهر أو في آخره كما لا يستوي في ثمن البيع المؤجل والحال، ولكن ليس ذلك للزمن بمجرده بل بما يقتضيه التأجيل من تضحية بالفرصة البديلة التي يمكن أن يحصل عليها الدائن حال التعجيل.
التفسير الأدبي للقرآن عند الشيخ >أمين الخولي<
اهتم الشيخ >أمين الخولي< اهتمامًا بالغًا بعلم التفسير، ومن المهم أن نوضح علاقة العقل بالنقل في هذا العلم، ونوضح كيف أن >الخولي< قد أعطى الأولية للعقل على النقل في معالجته لعلم التفسير، وذلك لأنه كان يرى >أن تقدير القرآن لإنسانية الإنسان يتصل أقوى اتصال بإخضاعه الأشياء لفهم العقل، وتدبيره، حينما تراه لا يسوق آياته إلا للعاقلين، أو للعالمين، أو للمتفكرين، أو لمن يفقهون، كما تراه يكثر من الأمر بالنظر، والتدبر، والاعتبار، والتعقل، ويعد طاقة البشر معيار الأخذ والمنع، وأساس المسؤولية والتبعة (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) البقرة:286، وبهذا الهدي المتعقل تأثر الباحثون منذ القدم فاحتكموا إلى العقل، وقرروا إخضاع نص القرآن نفسه للعقلأمين الخولي< بأهمية إدراك حركة الواقع والحياة المتغيِّرة كان موقفه الناقد للتفسير العلمي للقرآن يقول: >كيف تؤخذ جوامع الفلك، والطب، والهندسة، والكيمياء من القرآن، وهي جوامع لا يضبطها اليوم أحد إلا تغير ضبطه لها بعد يسير من الزمن، أو كثير، وما ضبطه منها القدماء قد تغيَّر عليهم فيما مضى ثم تغير تغيرًا عظيمًا فيما تلاأمين الخولي< في تحرير العلم الزمني من سيطرة النص على كل مناحي الحياة، وبالتالي التأكيد على تطور مجرى الحياة الدنيا في الزمن، وينبغي أن نترك العلم متحررًا من قيود النصوص• كما علينا ألا نحمل النصوص القرآنية أكثر مما تحتمل، وينبه الشيخ >أمين الخولي< دعاة التفسير العلمي للقرآن أنهم يكفيهم أن يتجهوا للقرآن ليدفعوا أي مناقضة بين العلم والدين، حتى لا يكون في كتاب الدين نص صريح يصادم حقيقة علمية يكشف البحث أنها من نواميس الكون، ونظم وجوده، وحسب كتاب الدين بهذا القدر صلاحية للحياة، ومسايرة للعلم، وخلاصه من النقد (3) •
وإذا كان >أمين الخولي< ينتقد التفسير العلمي للقرآن، فإنه قد اهتم بإرساء دعائم التفسير الأدبي للقرآن ـ بل هو مؤسس هذا التفسير ـ الذي يخضع القرآن للمنهجيات السائدة في دراسة النصوص الأدبية، وذلك >لأن العربي القح، أو من ربطته العربية بتلك الروابط، يقرأ هذا الكتاب الجليل، ويدرسه درسًا أدبيًا، كما تدرس الأمم المختلفة عيون آداب اللغات المختلفة، وتلك الدراسة الأدبية لها أثر عظيم وهذا ما يجب أن يقوم به الدارسون أولًا وفاء بحق هذا الكتاب، ولو لم يقصدوا الاهتداء به، أو الانتفاع بما حوى وشمل، فالقرآن كتاب الفن العربي الأقدس سواء نظر إليه الناظر على أنه كذلك للدين أم لاالخولي< هو الأولى بالعناية، ويجب أن يسبق كل غرض آخر في التعامل مع القرآن، فيجب أن نقوم بالتفسير الأدبي للقرآن، ثم بعد ذلك نبحث فيه عن الإصلاح، والتشريع، والأخلاق، ولا يتحقق هذا البحث على الوجه الأكمل إلا بعد الدراسة الأدبية للقرآن•
وينحى التفسير الأدبي للقرآن إلى النظر إلى وحدة الموضوعات في المصحف، وذلك لأن ترتيب القرآن في المصحف قد ترك وحدة الموضوع لم يلزمها مطلقًا، وقد ترك الترتيب الزمني لظهور الآيات لم يحتفظ بها أبدًا، وقد فرق الحديث عن الشيء الواحد، والموضوع الواحد في سياقات متعددة، ومقامات مختلفة ظهرت في ظروف مختلفة، وذلك كله يقضي في وضوح بأن يفسر القرآن موضوعًا موضوعًا، وأن تجمع الآيات الخاصة بموضوع واحد جمعًا إحصائيًا مستفيضًا، ويعرف ترتيبها الزمني، ومناسباتها، وملابساتها الحافة بها، ثم ينظر فيما بعد ذلك لتفسير وتفهم، فيكون ذلك التفسير أهدى إلى المعنى، وأوثق في تحديده (5) ومن هنا يمكن القول: إن التفسير الأدبي عند أصحابه يشكل أول دعوى واضحة محددة في تاريخ التفسير تنحو إلى تفسير القرآن على أساس من موضوعاته، ومن الحق أيضًا القول: إنه يستدرك نقصًا جوهريًا في أداء التفسير للوظيفة التي خلقته الجماعة الإسلامية للقيام بها• (6)
وسائل ضرورية لفهم القرآن