اما في الفكر الإسلامي فان الباحث يواجه بعض الصعوبات في تحديد الفرق بين الهدف والغاية، ولم تنجز اية دراسة معمقة تحدد العلاقة بين البرمجة الزمنية والأهداف والغايات، ففي حالات كثيرة كلما ذكر الهدف انصرف المعني الي الغاية . ولكن في كل الحالات يؤكد الفكر الاسلامي علي ان لحياة الإنسان غاية يجب ان يبرمج وقته علي اساسها، فهناك ضروريات وحاجات حياتية تتطلب الكدح والعمل من اجل تحقيقها، وفي الوقت ذاته هناك واجبات دينية تعبدية روحية يجب مراعاتها اثناء البرمجة الزمنية، فالمسلم مطالب بالصلاة في اوقاتها، ومطالب بالاهتمام بالأسرة، ومطالب بالتكافل الاجتماعي لا بالعزلة والحياة الفردية الأنانية . . يمتاز الفكر الإسلامي علي خلاف الفكر الغربي بقوة في موضوع الغايات، فالذي وضع الغايات للإنسان هو الله خالق الانسان، وليس الإنسان نفسه . وبذلك تصبح الغاية هي المقصد النهائي للمسلم في حياته، فكل اهدافه واغراضه وآماله واعماله ومشاعره تتجه نحو تحقيق الغاية وهي مرضاة الله سبحانه وتعالي ونيل الثواب في الدار الآخرة. (ص 231 ... 232) . ولاحظ الباحث عند رصد النتائج ان الفكر الغربي استطاع ان يبرز أهمية تحديد الأهداف في البرمجة الزمنية، وكثرت الدراسات التي تعني بها، وتحولت تلك الدراسات المتعلقة بالبرمجة الي فن يدرس والي طرق للتدريب، وانزلت تلك الأهداف الي الحياة اليومية للإنسان الغربي، اما في الفكر الإسلامي فلم يعتن بالأهداف كمنحي فكري في البرمجة الزمنية، وكثيرا ما خلط الدارسون بينها وبين الغايات، كذلك ابتعدت الأهداف في الفكر الإسلامي عن التوجه العملي التدريبي التربوي، فبقيت مجرد كتابات عامة، وتخمينات في بعض الأحيان .. والخلاصة ان قوة الفكر الغربي في البرمجة الزمنية تكمن في الأهداف، وضعفه يبرز في الغايات، اما الفكر الإسلامي فقوته في الغايات،اما ضعفه فيتمثل في الأهداف . (ص 239 ... 240) . ونظرا لكثرة المهام والأعمال في حياة الإنسان الغربي، فقد اكتشف طريقة عملية للتعامل مع تلك المشكلة، فصوب فكره نحو فن ترتيب الأولويات ومارسه من خلال البرمجة الزمنية، واصبح علم الإدارة يعطي اهمية خاصة لمعرفة الأولويات ومنها ترتيب الأمور حسب أهميتها وعندها يتعين وضع قائمة بالأعمال المطلوب انجازها حسب مدة زمنية محددة يومية او اسبوعية او شهرية او سنوية وهكذا. واكدت الدراسات والممارسة العملية ان معرفة الأولويات أكثر أهمية من الأهداف المجردة، فمن السهل تحديد الأهداف العامة او الاتفاق عليها، ولكن من الصعب صياغة هذه الأهداف حسب أولوياتها، والعمل وفق هذه الأولويات . وتزداد الصعوبة في تحديد تلك الأولويات كلما تعقدت الحياة، وعاش الإنسان علي غير نظام بل الإنسان كثيرا ما تشده الملذات والمتع وتصبح هي من اولوياته وان كانت علي حساب اهداف او غايات اهم من اللذات . وفي الغرب هناك من يجد متعته في العمل حتي يصبح مدمنا ولا يحس بخطورة ذلك حتي يسقط بنوبة قلبية أثناء العمل .
فقه الاولويات
وفي اطار الفكر الإسلامي بدأ اخيرا الاهتمام بما سمي (فقه الأولويات) ، ومن بين من كتب في الموضوع د يوسف القرضاوي ــ حسب ما اورد صاحب البحث، وللقرضاوي كتاب عن (الوقت في حياة المسلم) وفيه دعوة الي الانسان المسلم بان (ينظم وقته بين الواجبات والأعمال المختلفة، دينية كانت ام دنيوية، حتي لا يطغي بعضها علي بعض، ولا يطغي غير المهم علي المهم، ولا المهم علي الأهم، ولا الموقوت علي غير الموقوت . فما كان مطلوبا بصفة عاجلة يجب ان يبادر به، ويؤخر ما ليس له صفة العجلة، وما كان له وقت محدد يجب ان يعمل في وقته) .
وللقرضاوي ايضا كتاب بعنوان (في فقه الأولويات دراسة جديدة في ضوء القرآن والسنة) .
وفي اشارات الي التأصيل الفكري الإسلامي في الأولويات نقرأ اسطرا في ص 297 ترتب الأولويات علي النحو التالي:
1 ــ البدء بالأهم فالمهم.
2 ــ البدء بالأصول الأساسية في حقول وميادين العلم الشرعي .
3 ــ تقديم الواجبات علي السنن والنوافل .
4 ــ الانطلاق من الأصلين الأساسيين القرآن والسنة .
فعن الوقت، وكيف يستعمله الإنسان المسلم يقول الحديث النبوي: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتي يسأل عن عمره فيما افناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه) من هذا المنطلق العقدي والفكري والمنهجي، تأتي ضرورة البحث عما يشغل الأيام من أعمال، وماذا يبرمج في كل آن من آنائها .وعبر قراءة متأملة للقرآن والسنة النبوية يجد الدارس إشارات ودلالات واضحة علي أهمية الزمن، وما يجب علي المسلم ان يفعله لكي يدير وقته بطرق وأساليب مفيدة.
وفي الوقت الذي صاغ فيه الفكر الغربي جملة من الطرق للتعامل اليومي مع الأولويات، فان الفكر الإسلامي المعاصر عجز عن التدريب والتبسيط للبرمجة الزمنية عموما (ص 313) . فالصلاة اليومية تعتبر في حد ذاتها برمجة عملية لبعض اوقات المسلم الملتزم بالصلاة، الا ان ذلك لا يكفي لاستثمار الزمن استثمارا متكاملا يتم الجمع فيه بين العبادات والأعمال الحياتية الأخري .
يورد الباحث حشدا من الآيات والأحاديت التي تتحدث عن اهم الأعمال في حياة المسلم، وتتحدث عن ترتيب الأهم والمهم، وجميعها ظلت في العموميات، وظلت في اطار الاجتهاد الشخصي، ولم تتحول في الفكر الإسلامي الحديث الي ممارسة عملية مبرمجة في حياة ويوميات الفرد المسلم او المؤسسا ت القائمة في المجتمعات الإسلامية، كما هو الحال في الغرب .
ينتهي الباحث د محمد بن موسي الي ان دراسته لأصول البرمجة في الفكر الإسلامي لا تزال في بداياتها، لأن المجال بكر، وهو في حاجة الي جهود أكثر، والي تخصصات أكبر، بل الي مراكز وفرق متخصصة (ص 549) . والباحث في تواضع وبعد عمل شاق قال: ان النتائج التي توصل اليها في عمومها نتائج في المنهج والمصطلح أكثر من كونها في الموضوع . .. ويسجل ملاحظات علي الأولويات في الدراسات الزمنية الإسلامية جملة من الإيجابيات والسلبيات، وأوضح انه لم تؤلف اي محاولات تأصيلية بحق، ولم يطلع علي اي جهد متكامل لتطبيق فقه الأولويات في البرمجة الزمنية (ص 551) .
في قراءتي للبحث، وهو بحث طويل يقع في أكثر من سبعمئة صفحة بما في ذلك الملاحق والفهارس، لاحظت الإكثار من الأقوال التاريخية، والإكثار من النصوص كشواهد تاريخية وخاصة في الفصلين الخامس والسادس دون ضرورة يقتضيها البحث واغلبها تدور حول الجوانب النفسية الروحية، اما جانب العمل والتعمير والإنجاز المادي فلا برمجة له، كذلك لاحظت ان الباحث لم يقم بتقديم اي استبيان عن شريحة او شرائح من المسلمين تبين كيف يوظفون الآن اوقاتهم في اطار أنموذج من الأسئلة المبرمجة علي اسس إسلامية، ولو وضع عينة من الاستبيانات العملية لنقل الدارس من الجوانب النظرية الي الجوانب العملية الميدانية ولأضاف ببحثه مادة مهمة . ورغم هذه الملاحظات يظل البحث من الدراسات المتطورة التي تضيف الي المكتبة الإسلامية والفكر الإسلامي عملا قيما، وتفتح آفاقا جديدة أمام الراغبين في انشاء بحوث أخري في هذا المجال الذي يحتاج الي المزيد من التطوير والإثراء.
ہ الكتاب من منشورات جمعية التراث بالجزائر، وله طبعة اخري صدرت عن: دار الأوائل للنشر والتوزيع سورية. دمشق/ سورية
ہ كاتب وباحث ليبي يقيم في لندن
ثروات تهدر لعدم تقدير أبنائنا لعامل الوقت
* مدران إبراهيم