وَلَّى الشَّبَابُ وَمَاهُنَالِكَ عَوْدَةٌ *** وَأَتَى الْمَشِيْبُ كَخِفَّةِ الْقِرْطَاسِ
هَبَّ الْمَشِيْبُ بِرَعْشَةٍ وَتَثَاؤُبٍ *** وَبِقُوَّةٍ تَدْنُو إِلَى الإِفْلاَسِ
هَبَّ الْمَشِيْبُ وَقَدْ طَوَى أَكْفَانَهُ *** وَدُمُوْعُهُ تَجْرِيْ بِغَيْرِ قِيَاسِ
آهٍ عَلَى زَمَنِ الشَّبَابِ خَسِرْتُهُ *** مَازِلْتُ أَذْكُرُهُ وَ لَسْتُ بِنَاسِي
آهٍ عَلَى زَمَنِ الشَّبَابِ أَضَعْتُهُ *** فِيْ مُنْتَدَى الأَصْحَابِ وَالْجُلاَّسِ
لَمْ أَبْنِ فِيْهِ سِوَى النَّدَامَةِ وَالشَّقَا *** وَسَبَحْتُ فِيْ بَحْرٍ مِنَ الْوَسْوَاسِ
لَمْ أَبْنِ فِيْهِ سِوَى التَّهَوُّرِ وَالأَذَى *** وَكَأَنَّ شَيْطَانًا يَجُوْلُ بِرَاسِي
رَبَّاهُ إِنِّي فِي الْحُقُوْقِ مُقَصِّرٌ *** وَالْقَلْبُ مِنْ عِظَمِ الذُّنُوْبِ لَقَاسِي
وَاحَسْرَتَا مِمَّا جَنَتْهُ يَدُ الصِّبَا *** وَيَدُ الشَّبَابِ ضُحىً وَ فِيْ إِغْلاَسِ
فَاغْفِرْ ذُنُوْبِي وَاعْفُ عَفْوَ تَكَرُّمٍ *** وَاسْتُرْ فَسِتْرُكَ عِزَّتِيْ وَ لِبَاسِي
قراءة في زمن المحنة
عبد العزيز بن محمد السالم
الحق في الدنيا يقال ويُسمعُ *** والناسُ نحو ضيائه تتطلع
وعلى فؤادي ألفُ ظلِ من أسى *** تجتاحني في النائبات وتُفزعُ
يا أمتي جل المصابُ فما أرى *** للخرق مَنْ يرفو ولا مَنْ يرقعُ
ماذا أقول وفي فمي ماءٌ ولا *** أدري من الآلام ماذا أصنعُ
يا إخوةً ركبوا سفينَ نجاتهم *** والناس في لُجج الغواية ترتعُ
إني أقول لكم مقالةَ مشفقٍ *** رامَ النصيحةَ قلبه يتقطعُ
لا تحزنوا مما يقال ولا تخا *** فوا فالدنى لكم تذلُّ وتخضعُ
وإذا ادلَّهم الخَطب فاجتمعوا إلى *** علمائكم إلى رؤاهم فارجعوا
يا أيها العلماءُ يا تاجًا على *** هاماتنا بالصالحات مُرَصعُ
يا غرةً في وجه أمتنا به *** صرنا نتيه على الورى، نترفعُ
يا شعلةً في الليل، يا علَمًا له *** في كل نازلةٍ نهبُّ ونفزعُ
يا أيها العلماء أنتم غصَّةٌ *** في حلق مَنْ بالشائعات تذرعوا
ولسانُ مَنْ ظلموا يلوكُ فعالكم *** وعقاربُ الفساقِ أضحتْ تلسعُ
والبغي باتَ مفكَّرا وجنودُه *** هذا يخاصمكم وهذا يخدعُ
خسئت جنودٌ صارعتْ شرفَ الفضي *** لةِ إنَّ منْ رامَ الفضيلةَ يُضرعُ
إنْ كان في الدنيا حبال قُطَّعَتْ *** جهرًا فحبلُ عقيدتي لا يُقْطَعُ
مولود في زمن المخاض
أ. مها أبو النجا
"واء..واء..واء"صرخاته المتتالية تتجاوز حدود الغرفة الكئيبة وتتسرب من الجدران المطلية بالسواد والحداد.
بكاؤه المتواصل يحزن المتألمين داخل الحجرات المتأوهة يقتربون منهما ونظرات الرحمة تملأ أحداقهم الداكنة. المواسية لفجيعتهما.. يلتفون حولهما يمسدون جراحهما ويتفوهون بكلمات عزاء لا تبقى في ذاكرتها..
تنبس شفتاها بكلام غير مفهوم، تتركهم وتجوب مساحة الحزن ذهابًا وإيابًا تردد أسماءهم.. وتستحضر أجسادهم الفانية. عيناها تفقدان لونهما وروحهما، تعكسان صور لقطعها الهالكة. وعائلتها المبتورة.. منذ معاناتها من آلام المخاض والحادث الأليم لا يرقأ لها دمع، ولا يهدأ بها مضجع يريح أعصابها المنهارة من وقع الصدمة، تقف في منتصف الحجرة.. صراخه يوقظ مشاعرها الملتهبة.. تدنو من مهده الباكي تحضنه بقوة تدفن وجهها في قلبه الصغير تنصت لنبضاته؛ لتستمد منه الرغبة في الحياة، وأجزاء سعادتها المسلوبة منها.
تشتم رائحته المنبعثة من جسمه الهش.
استنشقتها قبل عدة سنوات، لهما نفس العبير الطفولي، والملامح المتشابهة واللمسات الأولى.
سمع المتجاورون نواحهما المشترك، تأملوا دموعها الممتزجة بمرارة الواقع، تحاول تهدئته وفَثْأَ لوعته، تضمه إلى صدرها يمتص أحاسيسها المتألمة يتذوق ملوحتها اللاذعة فتزيد من تشنجاته وانقشاع لونه..
"تهدهده"بأغنية حزينة، وتحكي له قصة الأسرة المأساوية تنادي على زوجها وولديها..
تراهم بعينيين متورمتين.. يقبلون عليها ويطبعون قبلاتهم على جبينها المتجعد..
طيفه يتراءى لها من بعيد.. يقترب منها البرودة تفيض من خياله.. يبتسم لها"يناغي"
مولوده الجديد، يردد معها أرتام"الأغنية الصامتة"يتحرك في كل الاتجاهات، يصدر أصواتًا غريبة ويتذكر أشخاصًا قد هجرهم منذ زمن، يوصيها بالاعتناء بنفسها وولدها الصغير ويؤكد لها على تفانيه والإخلاص لها.. ويطلق كلمته الأخيرة"لا تنسينا".. يرتدي"بيجامته"تنفست الصعداء، وحدثت نفسها"سيخلد إلى النوم سينال قسطًا من الراحة"
تراقبه بارتياب يتجه تحو النافذة تعرقل مسيرته المتقدمة.
تسأله عن مصير الطفلين.. يصوب نظره باتجاه المنزل يطلق سراح يديها ويخرج مع الغبار دون الالتفات للوراء..
يقود سيارته بسرعة هائلة، صوت اصطدام يزلزل أركان الشارع الأحمر تنغرس قدماها في الأرض الصلبة.. يد خفية تدفعها نحو النافذة.. تصل إليها بصعوبة بالغة..
شهقت.. حرضت بريقها، أجزاء حديدية مفرومة على الطريق، شظايا إنسان مبعثرة تعانق الألم وتنزف دماء ً حارة، تهبط السلالم الطويلة،"الآخرون"يتأملونها بشفقة، ويترحمون على أمواتها، ويدعون لها بثبات العقل، تجمع أعضاءه الدامية يتلطخ ثوبها بلون كريه، تصرخ"أين الولدان؟""ترفع بصرها تنظر إلى"المحاجر"المعلقة على"الشبابيك"يشيرون بأصابعهم إلى مكان تعرفه، تحفظ تفاصيله عن ظهر قلب، تسرع حافية القدمين متأوهة من وخز الأشواك النافرة تسمرت أمامه.. لمسته بيديها.. شعرت بتجمده وتصلب أضلاعه فارقته الأرواح الخائفة توجه له لطمات قاسية لتحطم أسواره وتتخطى العتبة الأمامية.. يُفتح الباب الرئيسي لها ويدعوها لرؤية المنظر الرهيب.. حبست أنفاسها.. وتفشت المساحة البيضاء في رأسها رأت أطرافًا لينة متخاذلة، وعيونًا مشرعة على مصراعيها تختلط فيها نظرات العتب والرعب وحناجر متخشبة من الاستنجاد.. جسدان محبوسان داخل قفص حجري حائل للصوت والحرارة.. تتراجع تقطع المسافات المرتجفة من هول المشهد، يصيبها الهذيان والذهول، تدور.. وتدور.. تسقط فاقدة الوعي والشعور تحمل على"نقالة خشبية"تُحجز في الحجرة المعقمة.. تفقد رونقها وأحلامها تنصت لنحيبه.. تمعن بصرها في قسماته.. يرفع يديه تحوها، تحمله وتعده بقرار التفرغ لتربيته والحرص"
على هدوئه واستقراره دون الاستسلام لضغوطات داخلية وخارجية.. تختار منزلًا جديدًا تدخر فيه ذكرياتها الشجية.
رأى المقربون من خلف الزجاج أمًّا أرملة تدلل صغيرها وتحكي له قصة حزينة تفرح لخطواته الأولى المتماثلة، ولتفوقه في دراسته، وتعيد شريط"الفيديو"لحفلة تخرجه من الجامعة.
تعد الأيام على انتهاء بعثته الخارجية، و"تزغرد"له في زفافه يودعها إلى بيته الآخر وتبقى وحيدة بين زوايا مأواها الدفين تبثه أسرارها وأحزانها ينصت لها وينصت.. ويكتم أوجاع أشطر حياتها الباقية..
08-شوال-1426 هـ
09-نوفمبر-2005
مبشرات في زمن الأزمات
أم عبد الرحمن الزيد
للفتن حِكمٌ ولو لم نعرف منها إلا واحدة لكفانا، وهي الابتلاء والامتحان.
قال ـ جل وعلا ـ: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179] .