إذا دعت الحاجة للسؤال فليحسن طالب العلم السؤال ، أما إذا لم تدع الحاجة فلا يسأل لأنه ينبغي للإنسان أن يسأل إذا احتاج هو أو ظن أن غيره يحتاج إلى السؤال ، فقد يكون مثلًا في درس ، وهو فاهم الدرس ، ولكن فيه مسائل صعبة ، تحتاج إلى بيانها لبقية الطلبة ، فيسأل من أجل حاجة غيره ، والسائل لحاجة غيره كالمعلم ، لأن النبي لما جاءه جبريل وسأله عن الإيمان والإحسان والإسلام والساعة وأشراطها قال:"هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"، فإذا كان الباعث على السؤال حاجة السائل فسؤاله وجيه ، أو حاجة غيره ، وسأل ليعلم غيره ، فهذا أيضًا وجيه ، وطيب ، أما إذا سأل ليقول الناس: ما شاء الله فلان عنده حرص على العلم ، كثير السؤال ، فهذا غلط ، وعلى العكس من يقول لا أسأل حياءً ، فالثاني مُفَرّط والأول مُفْرِط ، وخير الأمور الوسط .
كذلك ينبغي أن يكون عند طالب العلم حسن الاستماع لجواب العالم ، وصحة الفهم للجواب ، فبعض الطلبة إذا سأل وأجيب تجده يستحي أن يقول ما فهمت .
والذي ينبغي لطالب العلم إذا لم يفهم أن يقول ما فهمت ، لكن بأدب وتوقير للعالم .
طالب العلم وقيام الليل
قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وأسكنه فسيح جناته:
الحقيقة أن الترغيب في قيام الليل محله كتب الترغيب والترهيب ، وقيام الليل لو لم يكن فيه إلا قوله تعالى ) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( .
لو لم يكن فيه إلا هذه الآية لكان كافيًا في ترغيب المسلم في قيام الليل .
وقيام الليل يختلف باختلاف أحوال الناس ، فمن الناس من يكون القيام في حقه أفضل ، ومنهم من يكون عدم القيام في حقه أفضل .
فإذا كان الإنسان في أول الليل يشتغل بالعلم الشرعي حفظًا وتفهمًا وتعليمًا ، ولكنه ينام في آخر الليل ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقر بعض أصحابه على ذلك كأبي هريرة رضي الله عنه ، حين أوصاه النبي صلى الله عليه وسلم أن يوتر قبل أن ينام .
أما إذا كان الإنسان على خلاف ذلك فإنه ينام مبكرًا ويقوم الليل ، ثم إن كان الأخشع له أن يطيل القراءة بتأمل وتدبر ويقف عند آية الرحمة فيسأل وعند آية الوعيد فيتعوذ ، فإنه يطيل القراءة ، وإن كان الأخشع له أن يطيل الركوع والسجود ، ويقصر القراءة فليفعل ، وإن لم يكن عنده ترجيح فالأولى أن يكون الركوع والسجود متقاربان متناسبًا مع القيام لتكون صلاته متناسبة ، فإذا أطال القراءة أطال الركوع والسجود ، وإذا قصرها قصر الركوع والسجود ، وليكن آخر صلاته بالليل وترًا (4) .
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
الدورات العلمية جامعات مفتوحة وعلم مشاع
خباب بن مروان الحمد
ما أن تُسدل المدارس والجامعات ستارها في آخر يوم من أيَّام الاختبارات، حتى يحدو حادي العلم من جديد، وترتفع في الآفاق دعوات مخلصة... أن هلموا يا طلاب الشريعة ورواد المعرفة؛ لتنهلوا من معينها الصافي وتنالوا الأجر الكبير فـ «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة» .
تلك هي هتافات الدورات العلمية المكثفة، التي تقام ـ عادةً ـ في الإجازات الصيفية، في بلاد الحرمين، ويتقاطر عليها طلبة العلم من شتّى البلدان.
وفي محاولة جادة لدراسة هذه الظاهرة الصحية في العمل الدعوي، وتقديمها مثالًا من مثالات اليقظة الإسلامية، واستشعارًا منّا لأهمية هذه الدورات، كان هذا التحقيق، بغية تسليط الضوء على أنشطة هذه الدورات.
وليس من شك بأن الدورات العلمية حالة نهضوية فعالة آتت أكلها، وأينعت ثمارها طيبة زكية... ولكن تبقى في الذاكرة تساؤلات عديدة تطرح نفسها: لماذا هذه الدورات وهل هناك حاجة ماسة إليها؟
ثم أليست هي من قبيل ثقافة السرعة التي تُنسى معلومتها بسرعة؟
وهل كان في هذه الدورات استخدام للتقنية الحديثة لمواكبة العصر؟
وهل أخذت (شقائق الرجال) نصيبهن من هذه الدورات؟
وهل لهذه الدورات أثر ملموس في صقل شخصية طلاب العلم وبنائهم بناءً تربويًا؟
عبر هذه الأسئلة وفي الجعبة الكثير توجهنا لأصحاب الفضيلة العلماء وبقية المشاركين في التحقيق للإجابة عن تلك التساؤلات، وإعطاء الآراء المفيدة حيالها، وأحسب أني قدمت للقراء الكرام وجبةً علميةً مفيدةً، فلنرحل معًا في آفاق هذا الموضوع. واللهَ نسأل للجميع العلم النافع والعمل الصالح.
المشرفون على الدورات العلمية والمنظمون لدروسها:
ـ الشيخ خالد السبت.
ـ الشيخ خالد الزريقي.
ـ الشيخ فهد الغراب.
لماذا... وفي الصيف بخاصة؟
في سؤال طرحته على المنظمين: لماذا الدورات العلمية تقام وقت الإجازة الصيفية، مع انشغال الناس في مصالحهم الشخصية ورحلاتهم السياحية، وزيارة أقاربهم في مدنهم وقراهم؟
فأجاب الشيخ السبت قائلًا: لا شك أن الإجازة الصيفية فرصة مواتية للدورات لدى المشايخ والطلاب، مع أننا نقيم دورات خلال الفصلين الدراسيين أيضًا، وفي مشاركة للشيخ فهد الغراب، يقول: لو لم تكن في الإجازة فستكون في وقت انشغال الناس بدراستهم وأعمالهم، والإجازة من اسمها مظنة الفراغ من الأعمال.
أهداف الدورات... في وقت الإجازة:
يتحدث الشيخ خالد السبت حِيَالَ هذه القضية، حاشدًا لها ست نقاط مهمة، منها:
1 ـ أن يتعلم الطالب المنتظم بالدورة ما يجب على كل مسلم أن يعلمه مما تقوم به العبادة ويصح به العمل والاعتقاد.
2 ـ تصحيح المسار في طريقة تلقي العلم، وطلبه على منهج علمي مدروس بعيدًا عن الاجتهادات والفوضى العلمية التي بُلِيَ بها كثير من المتعلمين.
3 ـ ربط المبتدئين من طلاب العلم بالأكابر والربانيين من العلماء أهل العمل والاقتداء والتوسط والاعتدال، والاستفادة من علومهم وآدابهم وتجاربهم؛ فالعلم عند السلف: علم، وتربية.
4 ـ تخريج كفاءات من طلاب العلم أخذوا العلم عن أهله وعكفوا على مدارسته ليقوموا بواجب الدعوة والتعليم في المناطق النائية؛ إذ هي أحوج ما تكون لذلك الغيث.
5 ـ حفظ الفرد المسلم والمجتمع من الانحرافات الفكرية في زمن كثرت فيه الفتن والشبهات.
6 ـ هذه الدورات تختصر على الطالب كثيرًا من الجهد والوقت الذي يبذل، وتعنى بالتأصيل دون التوسع والتفصيل.
نعد للدورات من وقت مبكر:
كان هذا جواب الشيخ خالد السبت حين سألته: متى يبدأ الإعداد لهذا الدورات المكثفة، وكيف يكون ذلك؟ فقال: (نحن نعد للدورات من وقت مبكر؛ فلدينا خطة كاملة على مدى سنوات ثلاث للمبتدئين، وسنوات أربع للمتقدمين، ومن الدروس ما أتممنا الاتفاق فيه مع بعض المشايخ على تقديمه منذ السنة الأولى بصورة منتظمة، ومنها ما يبتدئ الإعداد له قبل ستة أشهر) .
ويضيف الشيخ فهد الغراب قائلًا: يبدأ الإعداد للدورة القادمة مع نهاية الدورة الحالية؛ وذلك بحصر الاستبانات، واستخلاص نتائجها، ومن ثم ترشح المتون للدورة القادمة من قِبَل اللجنة العلمية بالجامع، ثم تعرض على المشايخ كل حسب تخصصه، للاستئناس بآرائهم.
ما دخل الذهن بسرعة ذهب منه بسرعة:
سألت المعدين لهذه الدورات حول هذا الموضوع، وقلت لهم: ألا ترون أن الدورات المكثفة تهتم بتركيز المعلومات في وقت قصير، وهل تتعارض مع قاعدة (ما دخل في الذهن بسرعة ذهب منه بسرعة) ؟