في المقابل فإن الهدف الكبير جدًا يصد صاحبه عن العمل له، وفي هذا السياق نرى كثيرًا من أهل الخير، يشعرون بالإحباط، ويشكون دائمًا من سوء الأحوال، وتدهور الأوضاع، وهذا نابع من وجود هدف كبير لديهم هو (الصلاح العام) لكن ليس لديهم أهداف صغيرة، أو مرحلية تصب فيه. إن كل هدف صغير يقتطع جزءًا من الهدف الكبير، ويؤدي إلى قطع خطوة في الطريق الطويل؛ وعدم وجود أهداف صغيرة، يجعل الهدف النهائي يبدو دائمًا كبيرًا وبعيدًا، وهذا يسبب آلامًا نفسية مبرحة، ويجعل المرء يظهر دائمًا بمظهر الحائر العاجز. إنه لا يأتي بالأمل إلا العمل، وقليل دائم خير من كثير منقطع.
3 -المرونة:
إن أنشطة جميع البشر، تخضع لعدد من النظم المفتوحة، ومن ثم فإن النتائج التي نتطلع إلى الحصول عليها، تظل في دائرة التوقع والتخمين. حين يرسم الإنسان هدفًا، فإنه يرسمه على أساس من التقييم للعوامل الموجودة خارج طبيعة عمله، وخارج إرادته، وهذه العوامل كثيرًا ما يتم تقييمها على نحو خاطئ، كما أنها عرضة للتغير، بالإضافة إلى أن إمكاناتنا التي سوف نستخدمها في ذلك هي الأخرى متغيرة؛ ولهذا كله فإن الهدف يجب أن يكون (مرنًا) ، أي: له حدود دنيا، وله حدود عليا؛ وذلك كأن يخطط أحدنا لأن يقرأ في اليوم ما بين ساعتين إلى أربع ساعات، أو يزور ثلاثة من الإخوة إلى خمسة وهكذا.. هذه المرونة تخفف من ضغط الأهداف علينا؛ فالناس يشعرون حيال كثير من أهدافهم أنها التزامات أكثر منها واجبات، والالتزام بحاجة دائمًا إلى درجة من الحرية، وسيكون من الضار بنا تحوُّل الأهداف إلى قيود صارمة، وحواجز منيعة في وجه تلبية رغبات شخصية كثيرة.
4 -الوضوح:
هذه السمة من السمات المهمة للهدف الجيد، حيث لا تكاد تخلو حياة أي إنسان من الرغبة في تحقيق بعض الأمور، لكن الملاحظ أن قلة قليلة من الناس، تملك أهدافًا واضحة ومحددة، ولذا فمن السهل أن يتهم الإنسان نفسه أو غيره بأنه لم يتقدم باتجاه أهدافه خطوة واحدة خلال عشرين سنة، مع أنك لا تراه خلال تلك المدة إلا منهمكًا ومتابعًا بما يعتقد أنه هدف يستحق العناء!
إنه يمكن القول بسهولة: إن كل هدف ليس معه معيار لقياسه وللكشف عما أنجز منه، وما بقي؛ ليس بهدف. ولذا فإن من يملك أهدافًا واضحة يحدثك دائمًا عن إنجازاته، وعن العقبات التي تواجهه. أما من لا يملك أهدافًا واضحة، فتجده مضطربًا، فتارة يحدثك أنه حقق الكثير الكثير، وتارة يحدثك عن خيبته وإخفاقه؛ إنه كمن يضرب في بيداء، تعتسفه السبل، وتشتته مفارق الطرق! نجد هذا بصورة أوضح لدى الجماعات؛ فالجماعة التي لا تملك أهدافًا واضحة محددة، تظل مشتتة الرأي في حجم ما أنجزته، ولا يكاد خمسة من أبنائها يتفقون في تقويمهم لذلك! لا يكفي أن يكون الهدف واضحًا، بل لا بد من تحديد توقيت لإنجازه، فالزمان ليس ملكًا لنا إلى ما لا نهاية، وطاقاتنا قابلة للنفاد. ثم إن القيمة الحقيقية للأهداف، لا تتبلور إلا من خلال الوقت الذي يستغرقه الوصول إليها، والجهد والتكاليف التي نحتاجها. ولهذا كله فالبديل عن وضوح الهدف، ووضوح تكاليفه المتنوعة، ليس سوى العبث والهدر والاستسلام للأماني الخادعة!
إن من أسباب ضبابية أهدافنا أننا لا نبذل جهدًا كافيًا في رسمها وتحديدها، وهذا لا يؤدي إلى انعدام إمكانية قياسها فحسب، وإنما يؤدي أيضًا إلى إدراكها بطريقة مبتذلة أو رتيبة، مما يُفقدها القدرة على توليد الطاقة المطلوبة لإنجازها.
سنعمل الكثير من أجل أهدافنا إذا أدركنا أنه عن طريقها تتم الصياغة النهائية لوجودنا.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ ...
طلال نيكرو ـ لبنان
قبل أن يفور التنور إصنع الفُلك ... قبل أن يأتي الطوفان إصنع الفلك ... إصنع الفلك الذي يُنجيك وأهلك .. إصنع الفلك الذي يُنجيك ومجتمعك .. إصنع الفلك الذي يُنجيك ويُنجي أمتك ..إصنع الفُلك قبل أن يأتي الطوفان .
قبل أن يأتي طوفان المادة والغرائز والشهوات إصنع الفلك بأعين الله ووحيه فإن لم تكن ترى الله رغم كل آياته الواضحات البينات كفلق الصبح ، فإعلم أن الله يراك .. إعلم أن الله يراك في كل كبيرةٍ وفي كل صغيرة . وإذا كنت تستحي من فعل بعض الأمور أمام الناس فالله أولى أن تستحي منه . وتذكرأن عيون الخلق تصحو وتنام ولكن .. ولكن عيون الخالق أبدًا لا تنام . وإذا كانت فلك نوح ذات ألواح ودُسر فلتكن فُلككَ ذات صلاحٍ وتقوى .. صلاح نفسٍ وتقوى الله. وصلاح النفس يبدأ بمعرفة ما لها وما عليها فإذا عرفت ما لك فلا تتعدى وإذا عرفت ماعليك فإلزم .أما تقوى الله فسبيله واضح"ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ"الزمن ساعة فإجعلها طاعة . وتعظيم شعائر ليس بحاجة لدليل بل يكفي أن تتذكر أن خليفة عن الله في أرضه . واجبك إعمار الأرض ، وليس بالبنيان فقط تَعمَر الأرض ، بل بطاعة الله تَعمر الأرض وتعمر النفوس الطيبة الزكية .
يقول لك ربك كما قال من قبل لنبيه نوح"وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ"إنك مطالبٌ أيها الإنسان بصناعة الفلك الذي يُنجيك من الطوفان ، ولذلك إستعد وأعد قبل أن يفور التنور لأنه عندئذٍ لا ينفع مالٌ ولا بنون . ما فائدة المال والبنون إذا فار التنور ولم تكن قد صنعت الفلك بعد ..؟ والله مال الدنيا وجميع أبنائك وأبناء أبنائك لا يعصمونك من أمر الله . فلماذا تتأخر عن صناعة الفلك التي تُنجيك من عذابٍ أليم ..؟ البعض يقول أن التنور قد فار وأن ما نشهده اليوم هو من أشراط الساعة . لا نريد الخوض في هذا الموضوع لأن كل الذي يهمنا هنا هو أن نقول لأنفسنا أولًا ولك ثانيًا ولجميع بني البشر أن الطوفان قادم لا محالة وما هذا الذي نشهده من فلتان أخلاقي وإجتماعي إلا إرهاصات لذلك الطوفان الذي سوف لا يُبقي ولا يَذر . فإما أن تصنع الفلك الذي ينجيُك وأهلك أو فإنتظر الطوفان ..!.وللذين يتذرعون بأنهم لا يعرفون كيفية صناعة الفلك نقول لهم"فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ".
إن صناعة الفلك أهون بكثير مما نعتقد لأنه كما سبق وقلنا أنه ذات صلاح وتقوى فإذا ما إستطعت إصلاح نفسك ، فإنه من السهل جدًا عليك أن تعلم أن واجبك عدم الإكتفاء بصلاحك ، لأن صلاحك لنفسك وإصلاحك يعود بالخير على الآخرين ، والله يحب المصلحين أكثر من محبته للصالحين، فكيف إذ ما إجتمع فيك الصلاح والإصلاح ..؟عليك المبادرة بالإصلاح لتتقي الله. وتقوى الله لا تكون إلا بإتباع النهج الكافي والوافي الذي رسمه للناس أجمعين وذلك من خلال تعظيمك لشعائر الله التي إن دلت فإنما تدل على طاعتك وخضوعك لأوامر الله"ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ". لذلك نرى أنه من السهولة على من يدفع المال ليشتري الثياب الشتوية التي تقيه البرد والصقيع أن يشتري مرضاة الله وذلك بإرتدائه لباسًا لا يُكلفه كثيرًا إنه لباس التقوى الذي هو أفضل لباس يحرص عليه الإنسان العاقل في الدنيا والآخرة ..الإنسان الذي يعلم أن هذه الدنيا هي مزرعة الآخرة"يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ"أفلا تعقلون ..؟