طالب، وكان من صبرها لما بلغها مقتل محمد بن أبي بكر في مصر قامت إلى مسجد بيتها وقيل إنها كظمت غيظها، حتى شخَبَ ثدياها دما، وهذا دليل على صبرها وتحملها المصائب - رضي الله عنها -. [هذه بعض النماذج من هذه النساء المحافظات على أوقاتهن الداعيات إلى الله - تعالى -، وحقيقة تركت الكثير والكثير من هذه القصص مخافة الإطالة في هذه النقطة]
كيف تقضي المرأة وقتها ( 7 )
سلمان بن يحيى المالكي
النقطة الرابعة: العوائق والصوارف التي تشكّل حائلا ومانعا دون استثمار المرأةِ لوقتها.
وهناك صوارف كثيرة تشكل حائلا للمرأة دون استثمارها لوقتها، وأول هذه الصوارف:
أولا: طول الأمل والتسويف.
وهذه قاصمة الظهر وأمُ المشاكل، ولذلك توعد الله - عز وجل - المسوفين فقال"ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون"قال القرطبي - رحمه الله تعالى -في تفسير هذه الآية"يلههم الأمل: يَشْغلهم عن الطاعة"ويقول أبو سعيد الحسن البصري"ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل"نعم..إن الأمل بطبيعته يكسِّل عن العمل، ويورثُ التراخي والتواني، ويُعْقِبُ التشاغلَ والتقاعس، ويُخلدُ إلى الأرض، ويَميل صاحبه إلى الهوان"وينتج عن طول الأمل: التسويف، فكلَما همّ المرء بعمل وتذكر طول الأمل قال سوف أعمله غدا أو بعد الغد، وهكذا ينقضي عمره مسوِّفا فلا يحصِّل ما أراد، وزمانا قيل: إن سوف جند من جنود إبليس، وإلا كيف يسوفُ المسلم وهو لا يعلم أيعيش لحظته أم لا؟ ولهذا كانت وصيةُ عبد الله بنُ عمر - رضي الله عنهما - كما في البخاري"إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك"وصدق من القائل يوم قال:"
تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جنّ ليل هل تعيش إلى الفجر
فكم من سليم مات من غير علةٍ وكم من سقيمٍ عاش حينا من الدهر
وكم من فتى يُمسي ويصبح آمنا وقد نُسجت أكفانه وهو لا يدري
تسعيرة الوقت في بلادي
د. عثمان علي حسن
لا نزال نذكر من محفوظاتنا الأدبية قول أمير الشعراء:
دقات قلب المرء قائلة له *** إن الحياة دقائق وثواني
وفي تراثنا يقال عن الوقت: إنه كالسيف؛ إن لم تقطعه قطعك..
وأبلغ ما قيل فيه: الوقت هو الحياة.. وهو متفق مع قول أمير الشعراء..
وفي الحديث الشريف: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ..
ومع ذلك ما أرخص هذا الغالي في بلادي!؛ فمن المضحك المبكي قول الصديق لصديقه: سآتيك عند الساعة الخامسة، لكن عليك أن تنتظر إلى السابعة؛ فإن لم أحضر عند التاسعة فانصرف؛ ولا تنتظر!!.. فهذا مثل سائر؛ يحكي عمق المأساة!!؛؛ فبدون مبالاة تضيع أربع ساعات بحجة الانتظار.. وربما تكررت المأساة مع الصديق نفسه؛ على أمل أن يكون حاله قد تحسن..
قد تضيع ساعات، بل يوم كامل؛ بسبب أن قريبك، أو صديقك قال لك: ربما أزورك اليوم؛ ثم لا يأتي؛ وتبقى أنت محبوسا رهن الاحتمالات..
اشتهر عن خطوطنا الجوية السودانية إصابتها بهذا الداء!!.. ويحكى أن أحد إخواننا المقيمين في الخارج ذهب إلى المطار لاستقبال أحد أقاربه؛ فالتقى موظف الاستعلامات المصري؛ فسأله عن السودانية؛ فأجاب بأنها لم تصل بعد؛ فتعجب أخونا!؛ بأن كل الطائرات وصلت في مواعيدها إلا طائرتنا.. فأجاب المصري بلهجتة: (لأ لأ!!.. دي ستهم كلهم؛ تجي إمتى ما تجي، وتروح إمتى ما تروح!!؛ ما حدش يسألها) !!..
هذا حال طائراتنا، واجتماعاتنا، ومحاضراتنا في الجامعات، ودوائرنا الحكومية بلا استثناء، بل حتى العمليات الجراحية لا تنفذ في موعدها الذي حدد لها؛ فيظل الأقارب خارج غرفة العمليات؛ ينتظرون وقد هجمت عليهم الخواطر السيئة، والأوهام المحزنة!!..
إنه من المعتاد أن تذهب إلى الموظف فلا تجده على مكتبه؛ لأنه لم يحضر بعد!!.. وربما اكتشفت بعد قليل أن الرجل سافر لأداء واجب العزاء في أحد أصدقائه؛ ولا تدري متى يحضر، والمعاملات معلقة به!؛ لا يملك حق الفك، والربط إلا هو..
أما عن ساعة (أو ساعات) الفطور فحدث؛ ولا حرج!؛ فلا زمام لها، ولا خطام!!.. حتى أصبحت ستارا لكل تغيب!، وعذرا لكل تسيب!؛ وحجة لكل متلاعب..
هذه صور اعتادها الناس!؛ حتى إنك لتحس بأنها لا تثير فيهم تعجبا، بل ربما تجد بعضهم يعتذر؛ ويبرر لأمثال هؤلاء المهدرين لقيمة الوقت!!..
وعزاؤنا في شركات النقل البري؛ حيث أحدثت نقلة كبيرة في هذا الجانب؛ مما قد يتسبب ِفي تخلف بعض المسافرين!!..
التقيت في الخارج أحد الأصدقاء الذين زاروا السودان؛ فسألته عن رأيه!؛ فأجاب بأن الشعب السوداني شعب طيب!!؛؛ حتى في مسألة المواعيد!!..
كل هذا يحدث في بلادي، ونحن نصر على دخول الألفية الثالثة، وعلى التمتع بتقنيات العصر!!..
كيف تفلح أمة يقول بعض شبابها: نعاني فراغا قاتلا؟!.. فهيا لنقتل هذا الفراغ..
كيف تفلح أمة يسعى شبابها لقتل الوقت؛ لأنه عدوهم؛ فيقتلون الحاضر والمستقبل!؛ ويقتلون الحياة؟!.. إنه الانتحار المبطن!!..
فهل من سبيل لتعديل هذه الثقافة؟!..
اعتراف في الوقت الضائع
الدكتور محمد بن عبد العزيز المسند
(( يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا ) ) (الأحزاب: من الآية66) .
هذا الاعتراف سجله القرآن الكريم على لسان أصحاب النار، دار الخزي والبوار، وذلك يوم القيامة (( يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) ) (غافر: 52) .
إنه ليس اعترافًا واحدًا ولكنها اعترافات كثيرة تبدأ من حين خروجهم من القبور إلى أن يؤتى بالموت فيذبح بين الجنة والنار، وينادي مناد: يا أهل الجنة، خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت.
فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية، انتفضوا من القبور، ومضوا سراعًا وهم في خوف شديد وذعر، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وهم يقولون: (( قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) ) (يّس: 52) .
ثم تزول عنهم الدهشة فيعترفون ويقولون: (( هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) ) (يّس: من الآية52) وحينئذٍ لا يملك الكافر إلا أن يعضّ على يديه أسفًا وندمًا وهو يقول: (( يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ) ) (الفرقان: من الآية27) .
ويندم على مصاحبة الأشرار المضلين فيقول: (( يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ) ) (الفرقان: 28 - 29) .
عند ذلك يتوجه الكفار إلى ربهم وخالقهم قائلين: (( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ) ) (غافر: 11) .
ولكن هيهات!! فقد كانوا في الدنيا يدعون إلى الإيمان فيكفرون، ثم ينزل الله - سبحانه وتعالى - لفصل القضاء، فيقضي بين البهائم العجماوات، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، وذلك من كمال عدله - سبحانه -، ثم يقول لها كوني ترابًا فتكون ترابًا، فإذا نظر الكافر ما قدمت يداه، وعلم مصيره صرخ قائلًا: (( يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ) ) (النبأ: من الآية40) .