ويمكن الإشارة إلى جزء من هذه الحقائق المخيفة التي تكشف الحالة الحضارية في تقرير التنمية الإنسانية - بعيدًا عن تحفظات كبيرة حوله -، وفكرة مبادرة الشراكة الأمريكية ـ الأوسطية، وكل هذا وذاك من الأرقام والوقائع والإحصائيات يؤكد الفجوة الكبيرة بين الرصيد الحضاري الكبير و بين الحالة الحضارية الحالية.
إن الملاحظات السابقة تضع أمام الفكر الإسلامي العديد من المسؤوليات والمهام في هذه المرحلة، أبرزها:
-مجهود التعامل مع العولمة وما تستبطنه من قيم و معرفة، وبناء الخطاب الحضاري الإسلامي بما يستبطنه أيضًا من أسس ومفاهيم وقيم تميزه عن الخطاب الغربي، والتي تستند على الاعتراف بالوحي كأحد أبرز وأهم مصادر التنظير الإسلامي.
-مواجهة التفلت الفكري في الداخل سواء اتجاهات الغلو العلماني والانجراف الفكري أم جماعات الغلو الفكري والتشدد الديني، وبناء الرؤية الحضارية الإسلامية في الفقه العام للتدين، ودور الدين في الممارسة السياسية، و العلاقة بين الشعب والسلطة..إلخ.
-بناء الرؤية الاجتهادية الإسلامية في التعامل الواقعي مع المشاكل والقضايا الداخلية التي تعاني منها الشعوب العربية، ومنها: الفقر والبطالة والفساد السياسي والتخلف العلمي والأمية وفشل المشاريع التنموية وإهدار الثروات والمعضلات الاقتصادية..إلخ.
الفكر الإسلامي في زمن العولمة ( 2 )
محمد سليمان أبو رمان
يأتي في إطار مهام الفكر الإسلامي اليوم تحدٍ رئيس، وهو مواجهة العولمة التي تستند إلى الحداثة الغربية وتقوم عليها، وتوظف ما وصلت إليه التقنيات البشرية خاصة ثورة الانفوميديا في هذا المجال بشكل فاعل وكبير.
ومواجهة الحداثة أو فرضية تفوق الحضارة والعلوم والقيم الغربية تتطلب قراءة معرفية عميقة للحداثة الغربية ورصد مساحات الخلل وكشف الفجوات الكبيرة في بنيتها المفاهيمية الحاكمة، وتقديم الأسس الفلسفية والفكرية للخطاب الحضاري الإسلامي في مواجهة ذلك، وبيان أدوات ومناهج التعامل مع العولمة ومعطياتها وفيضانها الكبير على العالم الذي وصل إلى درجة كما يصفها هوفمان"إن أزمة القيم الغربية تحظى حاليا بالقلق داخل بقية العالم؛ لأنّ الثقافة في وقتنا الحالي ليست ثقافة مكان بعينه، بل هي ثقافة وقت بعين".
في هذا السياق من مهام الفكر الإسلامي يأتي كتاب مراد هوفمان المفكر الألماني المسلم، الذي كتب قبل هذا الكتاب عدة كتب تبين أسباب دخوله الإسلام وتحاول تقديم الأصول الفكرية للرؤية الإسلامية التي تتجاوز التناقضات والفراغات المعرفية الكبيرة في الفلسفة والثقافة الغربية الحديثة.
وليس كتاب هوفمان ببدع من الكتب التي تقدم نقدًا للفكر الغربي المستند على معطيات الحداثة، أو تتحدث عن الآفات المترتبة على النزعة المادية والمرتبطة أيضًا بالفلسفة الفردية الليبرالية الحديثة، فهناك على سبيل المثال كتاب الفوضى لأحد أبرز المنظرين الأمريكان بريجنسكي، لكن الجديد في كتاب هوفمان أنه ينقد الخبرة المعرفية والفلسفية الغربية الحديثة في شتى العلوم والمجالات الحيوية من خلال فكره الإسلامي الذي يصدر عن فهم يصل إلى قاع النظرية المعرفية الإسلامية التي تقوم على الاعتراف بمصادر المعرفة وحدود كل منها: الوحي و العقل والحس، أو الموائمة بين العقل المؤيد والعقل المسدد - على حد تعبير الإمام محمد عبده - رحمه الله -ـ.
يحمل كتاب هوفمان عنوان"خواء الذات: العقول المستعمرة" (دار الشروق الدولية، القاهرة، 2002) ، ويأخذ جزءًا من العنوان من عبارة للدكتورة نادية مصطفى - أستاذة العلوم السياسية في جامعة القاهرة - إذ تقول:"عملية الاختراق المسماة بالعولمة، لا تتعلق باختراق حدود جغرافية، ولكن بالسيطرة على العقول"، فاستعمار العقول الذي تشير إليه مصطفى من أكبر التهديدات والحروب التي تشن على المسلمين اليوم وهي حروب من نوع جديد - كما يصفها محمد حسنين هيكل في كتابه"حرب من نوع جديد"-، وبما أنها تستهدف العقل والوعي و تدفع إلى الهزيمة الفكرية والنفسية؛ فهي إذًا أخطر من الحروب العسكرية والهيمنة السياسية. وهذه الملاحظة يشير لها الخبير الأمريكي جوزيف ناي في كتابه مفارقة القوة عندما يتحدّث عن القوة الناعمة والمرتبطة بالنموذج الثقافي الاستهلاكي الأمريكي الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تعميمه على العالم.
ما يريد هوفمان إذًا قوله في هذا الكتاب هو: أن الحداثة الغربية - التي تستند عليها العولمة كمضمون فكري وثقافي ومعرفي يجري تسويقه وكأنه العلم بعينه، و أنه آخر ما وصل له العقل البشري من إبداع، وأنه الإنتاج المعرفي والثقافي الذي يحقق الخير والسعادة للإنسانية -، أنها - أي الحداثة - مليئة بالثغرات والتناقضات، وقد وصلت إلى أزمة حقيقية اليوم أنتجت ما يسمى بمدرسة"ما بعد الحداثة".
وبالتالي على العقل المسلم أن يتحرر من التبعية الخطيرة للفكر الغربي، وأن يشق طريقه في المعرفة والعلم والتفكير انطلاقًا من الرؤية الإسلامية الناصعة التي تنظر إلى الكون والوجود والحياة بشكل شمولي متكامل ولا تختزل أي جزء لحساب الآخر، كما هو الحال في الفكر الغربي والذي يختزل الحياة في بعدها الفيزيقي المادي المحسوس، الأمر الذي يصيب الإنسان باضطراب شديد في مسيرته الحديثة، كما يوضح ذلك كتاب هوفمان وكما يشرح الأمر بشكل مفصل للغاية محمد مزريان في كتابه القيم"البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية".
وإذا كان كتاب هوفمان يتآلف بشكل رئيس من ثلاثة أجزاء، فإن الجزء المهم و المساهمة الفكرية الرئيسة في الكتاب هو ما يرتبط بنقد الحداثة الغربية، ويدل على هذه الملاحظة أيضًا تقسيم صفحات الكتاب؛ إذ يشمل الجزء المتعلق بنقد الحداثة تقريبا 60 صفحة من صفحات الكتاب البالغة 111 صفحة، بينما يقع الجزء الأول المرتبط بالشيوعية في 15 صفحة تقريبًا، أما الجزء الثالث حول الرؤية الإسلامية فيقع في 25 صفحة.
زيف الحداثة:
يتتبع هوفمان المادية العلمية التي صبغت البحث العلمي في شتى حقول المعرفة الإنسانية في مدرسة الحداثة؛ ليصل إلى نتيجة أن العلم لم يصل إلى إرواء غليل الإنسان في القضايا الكبرى التي تشكل دومًا مصدر اهتمامه و محور تفكيره: الوجود و العدم، الله والكون، غائية الحياة..، بل صار العلم اليوم أكثر استعدادًا لتقبل فكرة صياغة أسئلة لا يستطيع الإنسان الإجابة عنها؛ لأنها تقع خارج قدرة المعارف الإنسانية.
وساهمت أزمة الحداثة الغربية في ظهور مدرسة ما بعد الحداثة التي تعبر عن ذروة التخبط في العلم الحديث، و تعيد نبش المطلقات الفلسفية والمعرفية التي انطلقت منها الخبرة العلمية المعاصرة، التي بنيت على فرضية التناقض مع الدين، وفرضية أن العقل البشري قادر على الوصول إلى المعرفة المطلقة بمفرده دون أية وصاية خارجية.
بدا واضحا اليوم أنّ هناك تطورًا دائمًا في العلوم، وأن النظريات العلمية تنقد بعضها، وأن ما يثبته العلم اليوم ينفيه غدًا، كما أن هناك فرضيات أساسية شكلت نموذجًا سائدًا في حقول علمية شتى ثبت اليوم عدم صحتها، الأمر الذي يصل ببول فييرانبد إلى القول - في كتابه ترجمتي:"لقد وصلت إلى الاقتناع أن الأمر كله ليس إلاّ فوضى مجنونة"، وأصبح علماء الأنسنة أقرب إلى الشعراء منهم إلى العلماء إذ يقولون:"لماذا نتباحث اليوم فيما سوف يتغير غدًا على أي الأحوال؟!".