وبأي شيءٍ تنوي استغلالها ؟
هل لك برنامج معين في الإجازة ؟
إجابات هذه الأسئلة وغيرها تتفاوت وتتغاير بحسب توجه الشخص وميوله وطاقته وهمته ، (( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ) )وكلّ إناءٍ بما فيه ينضح . فالناس في الإجازة على ثلاثة مراتب ، فمنهم الظالم لنفسه ومنهم المقتصد ومنهم السابق بالخيرات ،
فأما القسم الأول فنفوسهم إلى كلّ ما يُغضب الله منشرحة وإلى الطاعات والقربات متثاقلة يبارزون الله بشتى أنواع المعاصي ، منهم من قد أعدّ العدة وهبّ إلى ساحات الخنا والفسوق وإلى ديار الكفر والفجور ، ومنهم من تسكع بالشوارع والأسواق فجعل همّه وغايته أذية عباد الله وانتهاك أعراضهم ، جند بالنهار ركبان بالليل همم عالية وطموحات دونها الثريا ولكن ليست في مرضاة الله ولا في سبيله .
وأما القسم الثاني فهم الذين اكتفوا بالفرائض واجتنبوا كثيرًا من المعاصي ، ليس لهم طموح ولا هدف واضح ولا همّة في الزيادة والاستزادة من نوافل العبادات والطاعات ، مكثرون من المباحات وقد يشتغلون بتوافه الأمور ، فالوقت والصحة لا يعنيان لهم شيئًا ويفرحون بالإجازة لأجل النوم والراحة والدعة .
وأما القسم الثالث فهم أعلى المراتب وأفضلها وأهلها من الأتقياء الأنقياء الأصفياء هم خاصة الله وأحباءه لا يرضون بالدنية ولا بالقليل من الأعمال همم تُناطح القمم عرفوا الوقت وثمّنوه فلكلّ دقيقة منه لها شأن عندهم ، استنشقوا بقلوبهم عبق سير أسلافهم فشحذوا بها الهمم وتنافسوا . فيا تُرى ما هي أحوال أسلافهم مع الوقت ؟ وكيف كانوا يقضونه ؟ وما هي نضرتهم للفراغ ؟
يقول ابن مسعود رضي الله عنه: إني لأكره أن أرى الرجل فارغا ، لا في عمل الدنيا ، ولا في عمل الآخرة .
كان ابن الجوزي رحمه الله من شدة حرصه على الوقت يجعل بريَ الأقلام في أوقات مجالسة من يزوره ، وقد أوصى يومًا ابنه فقال:واعلم يا بني أنّ الأيام تبسط ساعات ، والساعات تبسط أنفاسًا ، وكل نَفَسٍ خِزانة ، فاحذر أن يذهب نَفَسٌ بغير شيء ، فتَرى في القيامةِ خزانةً فارغة فتندم .
والوقتُ أنفسُ ما عُنيتَ بحفظه *** وأراه أسهل ما عليك يضيعُ
قال الحسن البصري رحمه الله: أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشدّ منكم على دراهمكم ودنانيركم .
عامر بن عبد قيس - أحد التابعين - قال له رجل مرة: كلّمني . فقال له: أمسك الشمس ! وما ذلك إلا ليشعره بقيمة الوقت .
قال موسى بن إسماعيل: لو قلت لكم إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكا قط صدقتكم ، كان مشغولا بنفسه ؛ إما أن يُحدِّث ، وإما أن يقرأ ، وإما أن يسبح ، وإما أن يصلي . كان قد قسم النهار على هذه الأعمال .
فماذا عسانا أن نقول نحن بعد هذا وفينا من يتفنّن في تضييع الأوقات بتوافه الأمور والأشياء ، بل وبما يُغضب الله ، والله يقول: (( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ) )
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: أي إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها وقطعت علائقها فانصب إلى العبادة وقم إليها نشيطا فارغ البال وأخلص لربك النية والرغبة .
وقال صلى الله عليه وسلم: ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة ، والفراغ ) . رواه البخاري .
فهاهما النعمتان قد اجتمعتا في هذه الأيام عند الكثيرين ، فأروا الله يا عباد الله من أنفسكم خيرًا ، واعلموا أنه سيأتي يوم يندم المُحسن على ساعةٍ لم يزدد فيها إحسانا ، هذا حال المُحسن في تفريطه لساعة فما ظنّك بحال من أمضى سنينًا يبارز الله بشتى أنواع المعاصي ، ( يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) ، فإلى متى التسويف يا هذا وماذا تنتظر إلا غنًا مطغيًا أو فقرًا منسيًا أو مرضًا مفسدًا أو هرمًا مفندًا أو موت مجهزًا أو الدجال فالدجال شرّ غائب يُنتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر .
يا من يعد غدًا لتوبته *** أعلى يقين من بلوغ غدِ ؟
المرء في زللٍ على أملٍ *** ومنية الإنسان بالرصدِ
أيام عمرك كلها عدد *** ولعلّ يومك آخر العددِ
ومضات على الطريق
محمد محمود عبدالخالق
طلاقة الوجه سمة الملتزمين
قد يتعجب كثيرًا حينما يسمع البعض يردد أن الملتزمين لا يضحكون وأنهم دائما يتهجمون في وجوه غيرهم ولعل هذا العجب ينتابني حينما أقرأ في ديني كيف أنه يجب على المسلم الملتزم بدينه أن يكون بشوشا يبتسم ويضحك مع الآخرين وكيف أنه يجازى على ذلك خيرا طالما أنه قال حقا ولم يكذب ولنا في ذلك أسوة حسنة في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين ساروا على نهجه فعن عبد الله بن الحارث بن حزم قال: ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويروى أنه صلى الله عليه وسلم قال:"لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق"أي سهل منبسط, وقال صلى الله عليه وسلم:"تبسمك في وجه أخيك صدقة"، وغير ذلك من الأحاديث التي تحثنا على طلاقة الوجه في تعاملنا مع الآخرين وبذلك لا يمكن أن نتصور ملتزم يمكن أن يطلق عليه ذلك يتجهم في وجوه الآخرين بل سنجد البشر والسرور في وجهه تجاه الآخرين ولعل ذلك أيضا يحتاجه في المقام الأول الدعاة الذين يحملون هم هذا الدين ويدعون إليه فإن التزامهم بهذا البشر والسرور يجعل قلوب المدعوين تتألف حولهم وتجتذب إلى دعوتهم النفوس، وأختم حديثي بقول للعلامة المناوي في تعليقه على ما ذكرنا من أحاديث فيقول:"وفيه رد على العالم الذي يصعر خده للناس كأنه معرض عنهم، وعلى العابد الذي يعبس وجهه ويقطب جبينه كأنه منزه عن الناس مستقذر لهم أو غضبان عليهم".
أبي لا يجلس معنا... !!!
هذه صرخة من الأبناء الذين لا يجدون آبائهم برغم أنهم مازالوا على قيد الحياة.. هذه صرخة من الكبار والصغار في زمن انشغل الآباء بأعمالهم من أجل تحصيل الأموال حتى و ولو كان ذلك على حساب الأبناء وعلى حساب تربيتهم والجلوس معهم ومعالجة مشاكلهم ومتابعة أخبارهم ولعل هذا الانشغال عن الأبناء كان سببا في الكثير من الفتن التي تحياها الأمة فالأب الذي لا هم له إلا جمع المال يكون سببا في ضياع الأبناء وانشغالهم بالتوافه من الأمور لأنهم لا يجدون من يوجههم وينصحهم ويبين لهم الصواب من الخطأ فتجدهم يصاحبون من يشاءون وقتما يشاءون وما أكثر أصدقاء السوء في هذا الزمان كما أنهم يكونون بعيدا عن دينهم لا يعرفون عنه إلا القليل ولا يعملون به إلا القليل أيضا وغير ذلك من المصائب التي تترتب على ترك الآباء تربية الأبناء ولذلك فإني أدعوا جميع الآباء إلى مراجعة أنفسهم في تربية أبناءهم ويعلموا أنها مطلب شرعي لا يجب التفريط فيه كما أن في تربية الأبناء على الإسلام وأخلاقه وآدابه مكسب كبير لآبائهم في دنياهم وآخرتهم فلننتبه إلى ذلك قبل فوات الأوان.
المواصلات وتضييع الأوقات...!!
حينما ينظر المرء منا وهو يسافر في أي وسيلة من وسائل المواصلات المعروفة يجد العجب العجاب فتضييع الوقت هو السمة الأساسية التي يشترك فيها أغلب المسافرين فلا نجد اهتماما بوقت السفر ومحاولة استغلاله في أمر نافع مفيد بل إن الأمر يكاد أن ينقلب من تضييع الوقت إلى ارتكاب المعصية فنجد الاختلاط بين النساء والرجال والحوارات الثنائية بينهم والتي لن تخلو من التوافه وإطلاق البصر والحديث عن الآخرين بالضحك والاستهزاء إلا من رحم ربي.