2-، والكاظمين الغيظ ، والعافين عن الناس ، والله يحب المحسنين . ثلاث صفات رائعات يتدرج المتقي فيها ليصل إلى أفضلها . أولها: كظم الغيظ - حبسه ومنعه من الثوران والتصرف الهائج - فهو الصبر إذًا ...والصبر نور في البصر والبصيرة كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم:"والصبر ضياء"وقال تعالى"إن الله يحب الصابرين"وعلى المسلم الداعية أن يتجاوز عن إساءات الناس إذا أراد أن يصل إلى قلوبهم ، ويلج عقولهم ، فيحبوه ويتبعوه ، وقد جبل الناس على الضعف والخطأ الذي يولد الأذى فقد قال صلى الله عليه وسلم:"المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم ."ولا ننس أن كظم الغيظ لا يعني نسيانه ، إنما تناسيه ، والفرق بينهما واضح جليّ . فإذا نجح المسلم في السيطرة على نفسه فحبس غيظه دخل في المرتبة الثانية: العفوعن الناس والعفو نسيان ما كان منهم ، ومسامحتهم، وكأن شيئًا لم يكن . فقد كان الرسول الكريم يعفو عمّن ظلمه ، والسيرة مليئة بهذه المواقف النبوية الرائعة في العفو والصفح عن المسيء، وتاريخ الصالحين من أسلافنا شاهد على ذلك . والعفو دليل سمو الأخلاق ورجاحة العقل ، ولن يكون الداعية ناجحًا إذا عامل الناس بالمثل . إنه إن عاملهم كذلك لم يتميّز عنهم . والقرآن الكريم يدعونا إلى العفو"وأن تعفوا أقرب للتقوى"ويقول:"وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم"هذا مع المسلمين . وكذلك مع غير المسلمين فإن العفو عنهم رفع مقام للمؤمن ، وزيادة في عقاب الكافر"قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قومًا بما كانوا يكسبون"وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم"ليس الشديد بالصُرَعة ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"بل إن الإنسان إذا تحمّل أذى الآخرين نال ثوابًا عظيمًا يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم:"ما من جَرعة يتجرعها العبد خيرٌ له وأعظم أجرًا من جرعةِ غيظ في الله . فإذا نجح المسلم في الدرجة الثانية جازها إلى الدرجة الأخيرة الراقية الإحسان الذي يحبه الله تعالى ويحب أهله"والله يحب المحسنين"ودرجة الإحسان أنك تعبد الله"كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"فأنت على هذا في المعية الإلهية . قال سريٌ السقَطيّ: الإحسان أن تحسن في وقت الإمكان ، فليس كل وقت يمكنك الإحسان فيه . وقال الشاعر أبو العباس الجمّني:"
ليس في كل ساعة وأوانِ *** تتهيّا صنائع الإحسان
وإذا أمْكَنَتْ فبادر إليها *** حذرًا من تعذّر الإمكان
وقد أورد القرطبي في المحسن: من صحح عقد توحيده ، وأحسن سياسة نفسه ، وأقبل على أداء فرائضه ، وكفى المسلمين شرَّه .
3-، والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم
ا- ذكروا الله
ب- فاستغفروا لذنوبهم - ومن يغفر الذنوب إلا الله؟- ،
ج- ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون .
ما من أحد لم يقترف ذنبًا ، أو يجترح إثمًا فالإنسان خطّاء كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، وخطّاء تعني كثير الأخطاء . لكن التائب بصدق يتوب الله تعالى عليه ، وهؤلاء في هذا الصنف دون الصنف الأول ، فألحقهم الله بهم منًّا منه وكرمًا ، وهؤلاء هم التوّابون . الذين يقعون في الفاحشة ، ثم يستدركون ويتوبون إلى الله تعالى ، فيتوب عليهم ويغفر لهم . أما ظلم النفس هنا فالخطأ دون الكبائر .. هؤلاء يذكرون الله تعالى ويعلمون أنهم أغضبوه فيسارعون للاستغفار والتوبة والأوبة إليه سبحانه فهو وحده الذي يقبل توبتهم، ويقيل عثرتهم . فإذا كان الله وحده من يغفر الذنوب فاللجوء إليه وحده الطريق الصحيح للتخلص من الذنوب والآثام . والتوبة لها شروط ثلاث كما ذكر العلماء اعتمادًا على هذه الآية الكريمة أن: 1- يقلع الإنسان عن المعصية . 2- وأن يندم على فعلها 3- وأن يعزم أن لا يعود إليها . فإذا كانت المعصية بحق غير الله زيد شرط رابع 4- أن يعيد الحق لصاحبه وأن يستسمح منه . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم"ما من عبد يذنب ذنبًا ، ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ، ثم يستغفرُ الله ،إلا غفر له"ثم تلا الآية الكريمة"والذين إذا فعلوا فاحشة ...."ومن علم أنه واقف يومًا أمام الله تعالى -"وهم يعلمون"- خاف ورجا، ورغب ورهب ، فأسرع تائبًا إلى الله عز وجل .
جزاء المتقين
أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم ،
وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ،
ونعم أجر العاملين"."
فهؤلاء الذين ينفقون من أموالهم ابتغاء مرضاة الله ، ويكظمون غيظهم ، ويعفون عمن ظلمهم ، ويحسنون إلى الناس ، ويتوبون إلى الله ويستغفرونه ، ويعلمون أنهم محاسبون على ما يعملون فيحترسون لهم جزاء عظيم يقود إلى نتيجة عظيمة .
أما الجزاء العظيم فالمغفرة من الله تعالى ومن رضي الله عنه رضي كل شيء عنه وأحبه ، وعفا عنه وأبدل سيئاته حسنات . ومن نال هذه الفضائل العظيمة استحق الجنة ونعيمها الأبدي الخالد بأنهارها العذبة من ماء غير آسن ولبن لم يتغير طعمه وعسل مصفى وخمر لذة للشاربين .
، ونال مايتمناه من ثمار الجنة وأُكُلها ، وجميل حورها . وما أحسن هذا الجزاء الكريم من رب كريم . وأنْعِمْ بالخلود أبد الآبدين
الإجازة الصيفية
ماجد بن جعبل
ليس من المجازفة ولا من واقع الخيال إذا قلنا بأن ثلاثة أرباع المجتمع في ظرف يوم أو يومين على الأكثر يصبحون في عالم من الفوضى بسبب الفراغ الذي يغطي معظم الأوقات بالنسبة لهم ؛ وهذا إن دل على شيء فالدلالة واضحة وهي عدم الانضواء تحت برنامج منظم يحفظ الوقت ويحمي من سوء ما يجلبه الفراغ من مساوئ . إن بعض الناس وهم الأغلبية يرى في البرنامج المنظم مصطلحًا واحدًا وهو كبت الحرية وأخذ الراحة المزاجية من العطلة الصيفية . ونرجو أن تكون هذه الأسطر إيضاحًا لأحبائنا ودليلًا لهم إلى ما فيه صلاح الدنيا ومن ضمنها الإجازة الصيفية وصلاح الآخرة .
الوقت أغلى ما عني الإنسان بحفظه ، وإذا كان هذا الوقت هو ريحان العمر وريعان الشباب فيا ترى كيف ستكون هذه الخسارة ؟
وإن مما ينفع الإنسان في آخرته شغله فراغه في الدنيا بما يرضي الله ؛ وعلى ذلك فللإجازة أمور تشغل بها منها:
حلقات تحفيظ القرآن الكريم: والتي يخرج منها الدارس برضى الله وبالتقوى وحسن الأخلاق وتعلم شرع الله والبعد عن أماكن الفساد والمعاصي ، وهذا لا يقتصر على شخص دون آخر ، بل حتى الأطفال في العاشرة فما فوقها على الآباء توجيههم إلى تلك الحلقات ؛ فلعل الله أن يجعلهم بذرة صالحة ونواة طيبة لبناء مجتمع طاهر محافظ .
المراكز الصيفية: لقد أدت المراكز الصيفية عبر الأعوام السابقة دورًا كبيرًا في الإجازات ، وذلك لما تقوم به من نشاطات مختلفة تنمي الشباب على الخير والإصلاح ؛ فمن الأنشطة الثقافية إلى الأنشطة الرياضية إلى بقية الأنشطة التي تتلاءم مع النشء .
طلب العلم الشرعي: ليست الإجازة حكرًا على سن معين ، ومن هذا المنطلق فإن بين أولئك شباب الصحوة الذين هم عماد الأمة بعد علمائها الأفذاذ ، ولذلك فإن الإجازة ساحة للتنافس في طلب العلم الشرعي وتحصيله وتحصين النفس به من الشبهات المتتابعة عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله ، وسنتي » .